الأحد، 29 نوفمبر 2015

رواية "وعـــد"

الحلقة الأولي
في ظلام دامس تجلس فتاة تبدو وكأنها مقيدة ... يرقد أمامها شخص يعاني جروحًا ويبدو الألم واضحًا على ملامحه ... تحاول الفتاة التحرر وإنقاذ هذا الشخص ولكنها لا تستطيع .. تصرخ في غضبٍ حين ترى هذا الشاب يلفظ أنفاسه الأخيرة !

"في منزل كبير بمنطقة راقية  تجلس فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها ... ذات ملامح يغلب عليها الحزن والأسى .. يلتف حولها عدد من النساء يرتدين ذلك الثوب الأسود المتعاهد عليه في أيام تقديم العزاء... وكعادة الكثير من النساء في ذلك الموقف.. فهناك من تبكي وهناك من تصرخ وهناك من تعدد مميزات المتوفى وتبكي موته بحرقة مصطنعة حتى تجاري الموقف.. لكن الفتاة كانت تنظر إليهم في استنكار شديد .. تود لو تصرخَ بهم جميعا حتى يبتلعوا ألسنتهم... فلا أحد-منهن-يعلم ما تعانيه هي.. لا أحد يعلم شعور فتاة فقدت والدتها التي لم ترها في حياتها سوى من  بضعة أيام فقط!"
"وعــد... فتاة جميلة ..هادئة الملامح .. تعكس ملامحها النقية صفاء نفسها ..تلك الفتاة التي نشأت بعيدة كل البعد عن أحضان والدتها..وكان لهذا تأثير كبير عليها ..فمن المعروف أن بُعد الطفل عن والدته تجعل هناك غصة في قلبه لا تطيب مهما طال الزمن .. لأنه أفتقد الشعور بالحب والراحة بين أحضانها .. مما قد يكسبه طابعًا من القسوة و الخشونة .. ولكن "وعد"كسرت تلك القاعدة.. فهي تري أن فاقد الشئ أحق من يعطيه.. لأنه تَذوق مرارة حرمانِه.. لذلك فـإن وعد لديها من الحنان والطيبة ما يجعل أي شخص يراها يقع في حبها من النظرة الأولي .
بعد إنتهاء مراسم العزاء .. وبعد أن أصبح المنزل فارغًا إلا من صوت القرءان الذي يؤنس وحدتها  .. جلست وعد تحملق في الفراغ حولها.. تحاول أن تستجمع شتات نفسها ... يا تُري ما الذي ستئول إليه حياتها بعد تلك التغيرات الكثيرة  التي طرأت عليها منذ وفاة والدها حتي الأن!!
والدها الدكتور الكبير "صالح الجعفري" .كان كل عائلتها وكانت هي كل حياته.. ذلك الرجل الذي أفنى عمره في تربيتها ولم يقصر يومًا في حقها ... ولكنه بذاته من حرمها والدتها ... أيعقل أن يكون  أحب الأشخاص إلي قلوبنا هم أكثرهم إذاءا لنا؟!
لكنها لاتملك سوي أن تسامحه ..فمازال هو الرجل الذي أفني حياته من أجلها, وعكف علي تربيتها وتعليمها حتي أصبحت طبيبة ماهرة مثله..لكنه تركها وحيدة الآن !
عاد عقلها مرةً أخرى في محاولةٍ غير مجديةٍ لاستيعاب ما حدث.. فبدون مقدمات أصبح لها أمًا بعد ذلك العمر. أمٌ لم تكن بجوارها يومًا. كم كانت تكره حياتها حينما تسمع من والدها أن والدتها تركته وتزوجت وأنجبت من رجلٍ أخر! كانت تلك الفكرة تعتصر قلبها كلما خطرت ببالها. فكانت تشعر بالألم لبعد والدتها عنها .
ولكن شاء الله أن يُتوفى والدها بعد أن يعلمها بالحقيقة ويطلب منها أن تسامحه. فهو قد أخبرها أن والدتها طالما بحثت عنها لتراها , ولكنه كان يعاقبها بهروبه بطفلتها كي يجرحها مثلما فعلت به.
حينما علمت وعد الحقيقة قررت أن تلتقي بوالدتها, وبالفعل كان اللقاء حارًا, تغلب عليه دموع الفرح والإشتياق. رأت وعد تلك المرأة التي تشبهها كثيرًا;  فقد ورثت  من والدتها ملامحها الرقيقة ,وعيونها الواسعة ذات اللون العسلي, ورموشها الكثيفة. حتي تلك "الغمازة" التي تزين وجهها إذا ما ابتسمت.
ظلت  تنظر إلي والدتها طويلًا... شئٌ في عينيها يجعلها لا تود أن تشيح بنظرها عنها.احتضنتها والدتهافبكت وضحكت. شعرت بالأمان والخوف!
شعرت بالأمان لأنها -ولأول مرة- تجرب ذلك الشعور بأن تحتضنها والدتها,  وتشعر بالخوف من أن تفقده سريعا!
وكان خوف "وعد" في محله, فقد شاء الله أن يأخذ أمانته  لتتذوق وعد مرارة فقد والدتها ولتصبح بذلك وحيدة في ذلك العالم الموحش .
أفاقت وعد من شرودها علي صوت وقع أقدام, فارتجفت بشدة , ولكنها سرعان ما تذكرت أن هناك شخص ما سيشاركها الحياة في ذلك البيت.
إنه  "خالد" أخاها الذي لم تلتقه سوى مرة واحدة. حتي أنه -على ما يبدو- لا يتذكر أسمها. ولكنه يعلم أن تلك الفتاة سوف تعيش معه في نفس البيت من الأن فصاعدًا ,بناءًا علي وصية والدته الحبيبة.
لم يكن أحدا منهما مرتاحا للوضع فهما لا تجمعهم أي مشاعر أخوة تجاه بعضهما البعض. هو بالنسبة لها مجرد شاب غريب لم تلتقه سوى مرة أو اثنتين, وهو أيضًا لم يشعر تجاهها بأي مشاعربل أنه حتى لم  ينظر لملامحها ليعرف ما إذا كانت تشبهه أم لا!وكيف له أن يهتم بوجودها من عدمه وهو في تلك الحالة! نعم, فجميعنا نعلم أن فقدان الأم بمثابة فقدان الروح بالنسبة للإنسان, ولكن خالد كان شديد التعلق بوالدته. لم يختلف وضعه كثيرًا عما كان في الصغر, فهو لم يكف عن الاحتياج لها حتى بعدما أصبح شابًا في العشرين من عمره. فقد كانت تمثل له كثيرًا من المعاني... رأى فيها الأم والأخت والصديقة. قد كان يحيا لها وبها! والأن فقط سيعيش بنصف روح..
قطع خالد الصمت المحيط بهما قائلًا بصوت متهدج يغلب عليه الحزن: إزيك دلوقتي؟
أجابته وعد بصوت أكثر خفوتا قائلة: الحمد لله بخير.
صمتت قليلًا , فلا تعلم ما تقول, ولكنها ما لبثت أن قالت بصوت مرتعش: البقاء لله يا خالد.
لا يعلم خالد ما الذي أصابه, كيف خانته دموعه , كيف يظهر أمامها بهذا الضعف في أول لقاء بينهما. بالتأكيد ستأخذ عنه إنطباعًا سيئًا! ولكن لايهم, هو الأن لا يشعر بشئ سوى الإشتياق لوالدته, لم يتحمل فكرة عدم وجودها في المنزل بعد الأن, ذكّره صوت وعد بها, فهي تملك نفس نبرة صوتها الحانية.
أستدار سريعا موَلِّيًا ظهره لها  حتي لا ترى مزيدًا من دموعه !
ساد صمتٌ طويل, تخللته أنات وهمهمة, جليا علي مظهره أنه يبكي , حتى إن كانت لا تري دموعه! بدأ صوت شهقاته يتصاعد. مما أثار شيئا ما بداخل وعد, تمنت  لو تستطيع الإقتراب  منه والتربيت على كتفيه علّ ذلك يهدئ من روعه. رق قلبها لحاله ولكنها لم تألف التعامل معه بعد!
أستجمعت وعد شتات نفسها وجاهدت ليخرج صوتها متزنا قائلة:خالد.. أنا عارفة انك كنت متعلق بماما الله يرحمها أوي, هي قالتلي كده أما كنت باجي أعد معاها, صدقني أنا حاسة بيك, لأني جربت إحساس انك تفقد حد بيمثلك الحياة كلها يوم ما فقدت والدي الله يرحمه, بس ده أمر ربناولازم نواجهه بإيمان وإحتساب! أنا عارفه أن اللي بقوله صعب .. بس مش مستحيل.خصوصا لو عرفت إن عياطك وحالتك دي أكيد مزعلاها, هي أكيد ماتقدرش تشوفك كده! أدعيلها كتير. كل ما توحشك أدعيلها.
أخجله إدراكها بأنه يبكي ... هو الرجل ! كيف لفتاة أن تكون أكثر قوة وتحملا منه! كيف له أن يضع نفسه في مكانة طفل صغير يحتاج إلي من يدعمه! وكيف يسمح لنفسه أن يجعل مخلوقا بعد أمه يراه ضعيفا هكذا!  شعر بأنه يختنق فهب قائلا : أنتي مين أصلا عشان تكلميني كده! مين قال إني بعيط أصلا! أنا حزين عشان أمي لكن مبعيطش! وبعدين إنتي فاكره نفسك هتاخدي مكانها وهتبدأي تعملي نفسك كبيره وتديني نصايح!! لا شكرا خليهالك!
شعرت وعد بخوف من حالته تلك .. فهمي لا تعرف طباعه بعد ولا تعرف اذا كان حديثه معاها بتلك الطريقه من صدمته أم هو شخصا عنيفا مع الجميع.. ظلت محدقه به لا تعلم كيف تتكلم حتي رأت ما جعلها في حالة من الصدمة والعجز!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق