الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

رواية وعد 
الحلقة الثانية عشر
في تلك الأثناء كانت سلمي تتعرض لأقسي ما يمكنها أن تمر به في هذه الفترة
من حياتها. فلم تكن حياتها تحتاج لمزيد من الاوجاع ولكن الوجع تلك المرة غير...
فلاش باك...
تدخل سلمي لوالدتها بالغرفة تجدها تبكي بشدة ... تجلس بجانبها كي تهدأ من روعها لتفاجئ بثورة والدتها الشديدة عليها ..
سلمي: فيكي ايه بس يا أمي ؟
الوالدة: أخوكي يا سلمي ... إنتي عارفه كويس إيه اللي حصله ومخبيه عليا... قوليلي يا بنتي أخوكي ماله الله يرضي عنك
لم تجد سلمي مفر من إخبار والدتها بالحقيقة فأعذارها لغياب أنس قد إنتهت .. إزدردت ريقها وقالت بصوت ضعيف ..
أنس في المستشفي يا ماما ..
لم يكن قلب تلك المُسِنة المسكينة يحتمل صدمة كتلك ... ولكنها غالبت ما تشعر به من ألم وقالت في لهفة : بتقولي إيه يا سلمي ؟؟ أخوكي في المستشفي ليه إيه اللي حصل ؟؟ وديني لأخوكي دلوقتي أنا عايزة أشوف إبني
سلمي : يا ماما بالله عليكي إهدي هتتعبي كده .. محدش هيرضي يدخلنا دلوقتي!
الوالدة: يعني إيه ميدخبونيش ده أنا أمه !! مين يبات معاه ؟ إزاي سايبه أخوكي كده من غير ما حد يراعيه !!  كل ده يا إبني لوحدك ولا حدش واخد باله منك؟؟ ليه يا بنتي بتعملي فيا كده ؟؟؟ كل ده ابني يبقي مرمي في مستشفي لوحده وأنا مش جنبه ؟؟ وفي الاخر مش عايزاني أروحله ؟؟
ما إن أنهت جملتها حتي سقطت جالسة علي الأرض وهي تبكي بشدة .. لم تتحمل سلمي حالتها تلك .. وهي علي يقين أن والدتها لن تهدأ إلا برؤية أنس... ولكن هل حقا ستهدأ إن رأته علي حالته تلك ؟!
كانت الساعه قاربت علي العاشرة مساءا عندما نزلت سلمي و والدتها كي تذهب للمشفي .. في طريقها حاولت الإتصال بوعد أكثر من مرة لم تجب .. لم تعلم سلمي ماذا تفعل فهي في حاجة وعد كي تدبر أمر دخولهم المشفي  !!
في تلك الأثناء كانت وعد تقطع غرفتها ذهابا وإيابا .. ينهشها القلق بغير رحمة .. فالقلق يكاد يدمي قلبها .. هي خائفة!! من منا لا يخاف عندما يشعر بالخطر يقترب ؟ في النهاية هي أنثي .. لها من الضعف ما لبنات حواء .. مهما حاولت إرتداء قناع القوة أمام الجميع لا تسطيع خداع نفسها به !! .. لم تكن في حاجة لكلمات بلال كي تشعرها بمدي تهورها .. هي بالفعل خائفة .. لذلك لم تتحمل لومه لها .. هل أخطأت عندما إلتزمت جانب الحق ؟ بالتأكيد لا .. نفضت وعد تلك الأفكار من رأسها و قامت كي تتوضأ .. فخير ما تقوم به الأن هو التضرع إلي الله ودعوته أن يثبتها علي الحق ولا يسمح لليأس من التسرب إلي قلبها ..
كان خالد قد إنطلق خلف بلال كي يهدئه .. ظلا يسيران بغير هدي ولم يبدا أحدهما بالكلام ..  تاركين الهواء النقي يهدأ ما أحلَّ بهما من غضب وخوف .. بعد فترة بدأ خالد وقال .. حبتها ؟
جفل بلال بعد سماعه لتلك الكلمة .. وقال في إضطراب .. إيه يا خالد أنت الهوا سطلك ؟
خالد: لأ متسطلتش .. اللي شوفته فوق مكنش مجرد حد مضايق إن كلامه متنفذش أو إنها خلفت إتفاقها معاك !!
بلال: ما هو اكيد مش كده بس .. أختك عرضت نفسها لخطر الله أعلم هيوصلها لفين .. ومش هي لوحدها هي وكل اللي حواليها  الناس دي مبتهزرش.. أنا إتلدعت منهم قبل كده يا خالد .. دول أقوي واخطر مؤسسة في البلد دي ... الناس دي عندها قدرة إنها تمحي أي حد من الوجود عادي جدا!
إضطرب خالد وبدأ قلبه يخفق بشدة .. هل مقدار ما تواجهه وعد بهذا القدر منن الصعوبة ؟؟
خالد: وتفتكر وعد مش مقدرة حجم المصيبة  اللي واقعة فيها ؟
قال بلال بإندفاع : مقدرة ؟؟ وهي لو مقدرة أو حتي خايفه كانت عملت اللي عملته ده ؟
خالد: لأ يا بلال .. وعد بتحب تبان قويه ومبتسمحش لحد ياخد باله من خوفها أو ضعفها .. أينعم أنا مبقاليش كتير عايش معاها بس الفترة اللي فاتت عرفتني إن وعد وارثه كل طباع ماما الله يرحمها وأمي كانت كده ... أراهنك لما نروح هنلاقيه كانت معيطة أو بتصلي وعمالة تعيط .. وعد محتاجة حد يحسسها إنها في أمان لأنها بالفعل حاسة بالمصيبة اللي هي فيها ..
ترك بلال كل ما قاله أخيه ولم يسمع سوي أنها تبكي ... هل حقا تبكي ؟ ومن السبب هو ؟! لا يعرف ما تفعله به تلك المخلوقة ولكنها تقوده للجنون لا محالة !
بلال: طب بقولك إيه ما نروح بقي ؟
ضحك خالد بشدة وقال : سبحان الله كل ده عشان حسيت إنها إنها بتعيط ؟
ضرب بلال أخيه علي رأسه وقال: إتلم وبلاش دماغك تروح بعيد .. أنا سقعت وعايز أروح أنام
وبالفعل إتجه بلال وخالد عائدين للمنزل ..
إنتهت وعد من صلاتها وقد شعرت بالراحة تتسلل إلي قلبها .. ولكن عندما نظرت للساعة إنتابها القلق.. فخالد لم يعود .. هل بلال يصر علي عدم العودة ؟؟ لقد توقعت أن يعود سريعا مع أخيها ولكنهما لو يعودا إلي الأن .. هل آلمته كلماتها إلي ذلك الحد؟ زجرت نفسها بشدة فلماذا تهتم بم يشعر؟ وهل أهتم هو لخوفها ؟ حسنا فليذهب للجحيم ومعه رأسه العنيد وصوته الدافئ الذي يخيفها كثيرا ..ولكن أحقا يخيفها ؟!
أمسكت وعد بهاتفها وقامت بفتحه كي تهاتف خالد... ولك ما إن فتحته حتي وجدت ما يزيد عن 40 إتصال من سلمي علي مدار الساعتين الماضيتين !
كادت وعد أن تهاتفها ولكنها وجدت تصالا منها في نفس اللحظة .. أجابت وعد الإتصال وهالها ما سمعت ..
قتلوا أمي يا وعد .. قتلوها ... الكلاب دمروني وأخدوا مني عيلتي .. حد يلحقني يا ناس
حاولت وعد سؤالها أين تكون ولم تسطع معرفة ذلك.. فسلمي تحادثها بشبه إنهيار .. لم تعلم وعد ماذا تفعل ولكن صوت سلمي يمزق قلبها.. إتجهت كي ترتدي ملابسها علي عجالة و ما إن إنتهت وتوجهت لباب المنزل حتي وجدت خالد ومعه بلال أمامها..
خالد: إيه ده في إيه ؟! رايحة فين كده !
وعد: سلمي كلمتني وهي منهارة .. بتتقولي قتلوا أمي !! حد يلحقني .. أعمل ايه ؟!!
بلال: وإنتي متأكدة إنها سلمي؟ مش يمكن فخ حد عاملهولك ؟؟
وعد: ده رقمها وهو صوتها... البنت دي ملهاش حد غير أخوها وأمها ... وانا مش هسيبها!
قال خالد بعقلانية محاولا ردع أخته علي ما تقحم نفسها فيه ..
خالد: وعد.. الدكتور مبيبقاش مسؤل عن مشاكل المريض بتاعه ولا مشاكل عيلته..واجبك إن تعالجي مريضك وغن متبقيش سبب في ضياع حقه طالما ده في إيدك لكن أكثر من كده مش مسؤليتك!
قالت وعد وقد فشلت في حبس دموعها : أنا في يوم من الأيام كنت مكانها... والدي توفي وأنا مكنش ليا غيره .. وكنت حاسه إني لوحدي وإني رجعت طفلة محتاجة حد يبقي جنبي حتي لو مش هيقدر يعملي حاجه .. مش هقدر أتجاهلها لمجرد إن ده مش مسؤليتي..
لم يستطع أيا منهما أن يزيد حرفا علي ما قالت .. فهي وإن كانت أنثي  قد ضربت لهما مثالا عن الرجولة كما يجب أن تكون.. ولكن ماجعلهما يعارضاها هو خوفهم عليها ليس أكثر ..
إتجهت وعد ومعها بلال وخالد للمشفي .. فوعد قامت بالإتصال بسلمي مرة أخري لتستوضح مكانها وأجابتها بمكانها ..
هرولت وعد نحو سلمي والجسد الملقي أمامها ..كانت سلمي في حال يرثي لها .. ما إن رأت وعد حتي ألقت نفسها بين ذراعيها وظلت تنتحب قائلة : المجرمين معدومين الرحمة ... رفضوا ندخل لأنس .. ولما أمي فضلت تعيطلهم وتترجاهم تشوفه قالولها أنه متهم وأنه ممنوع عنه الزيارة .. أما فضلت تصوت وتقوله إبني مش متهم أنتوا بتقولوا ايه .. راحوا طالبين أمن المستشفي جم طردونا وزقوها .. وهي وقعت ومن ساعتها مش بترد عليا ...
تركتها وعد وهرولت نحو والدتها كي تفحصها ... وما وجدته كان صحيحا  فوالدتها ما زالت علي قيد الحياة .. ولكنها أصيبت بنوبة قلبية بسبب إنفعالها الشديد ولابد من إنقاذها .. وبالفعل أخذت وعد السيدة المسنة وأدخلتها المشفي كي تباشر حالتها بنفسها ..
كانت سلمي قد هدأت عندما أخبرتها وعد أن والدتها مازالت علي قيد الحياة وأنها ستبذل جهدها كي تنقذها  .. ظل بلال متابعا لما تفعله وعد بإعجاب ... فكم أعجبه أن تكون علي ذلك القدر من حب مساعدة الغير .. كم يملك قلبها من الرحمة حتي تشعر بألام غيرها ..ولكن.. أن تكون كل تلك المساعدات موجهه لعائلة أنس .. لم يكن يستسيغ الفكرة .. ولكن ليؤجل كل تلك الأفكار ويركز الأن علي حمايتها ..
كان خالد يقف مندهشا ... فقد إكتشف لتوه ان سلمي هي زملية دراسة .. وهي ايضا صديقة مريم .. شعر بالشفقة تجاهها .. فمن المؤكد أنها تواجه وقتاَ عصيبا وحدها .. كما أنه يبدو عليها الإرهاق قام بشراء بعض العصائر وتوجه إليها ..
خالد: إتفضلي يا بشمهدنسة ..
جفلت سلمي عندما إستمعت إلي صوته .. نظرت إلي المتحدث وما إن رأته عرفته .. لم تخفي دهشتها ولكنها أخفضت نظرها وقالت : شكرا..
تعجب خالد من موقفها ولكنه ترجمه علي إنه حزن وقال: حضرتك لازم تاكلي عشان تفضلي كويسة لأن والدتك وأخوكي محتاجينك .. أتفضلي
لم تستطع سلمي إخفاء دهشتها... فهو علي درايه بما حدث معها .. ويبدو أنه شعر بما يدور بخلدها فقال : أنا أخو دكتورة وعد .. لما كلمتيها جيت معاها ..
هزت سلمي رأسها دليل علي تفهمها وشكرته علي ما فعل
بلال: أنت تعرفها ؟
خالد: زميلتي في الكلية
بلال: وليك كلام معاها ؟
خالد: بزمتك ده وقته .. أكيد لا مبكلمش بنات وبعدين مش شايفها عاملة إزاي ؟ دي متشددة جدا
بلال: متشددة ؟ سيبت إيه للناس الجاهلة طيب ؟ فكرني أما نروح أبقي أعيد تضبيط دماغك اللي شكلها باظت دي
خالد: أنا بالفعل عايزك ..
نظر له بلال نظره ذات معني .. فهو يشعر بشئ جديد يحدث مع أخيه
في تلك الأثناء كانت هناك عيناً تراقب ما يحدث .. وقد إكتشفت شيئا مهما للغاية .. وعلي ما يبدو أنه حان وقت الإنتقام !
خرجت وعد وطمأنت سلمي علي والدتها .. لم تكن وعد تدري أن الأحداث ستتطور بتلك السرعة .. فمن المفترض أن تعلم سلمي ما حدث مع أخيها وأنه فقد الذاكرة ولكن كيف ستخبرها في حالتها تلك وعد: سلمي إنتي مش هينفع تباتي هنا ..
سلمي : إزاي يعني هسيب ماما لوحدها ؟
وعد: والدتك مش هتصحي الا بكره علي الضهر كده .. قعدتك هنا هتجيبلي مشاكل ... في حاجات كتير حصلت ومش هينفع أكلمك فيها هنا . فأنتي تروحي معايا وبكره هجيبك تشوفيها ..
سلمي: لأ طبعا مينفعش.. حضرتك عايشة مع أخوكي وانا مش هينفع أجي ..
وعد: ولا هينفع تروحي بيتكوا لوحدك .. صدقيني أنا خايفة عليكي !
لم تفهم سلمي كلامها ولكنها شعرت بالخوف فوافقت علي مضض
خرجت وعد إلي خالد وأخبرته ورحب بذلك فالمنزل كبير و قال لسلمي أن تشعر وكأنه بيتها
وصلوا جميعا المنزل و ما إن جلسوا حتي قالت سلمي ..
سلمي : انا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي .. أنا لو كان ليا أخت مكنتش عملت معايا ربع اللي عملتيه .
وعد: ولا تشكريني ولا حاجة إنتي دلوقتي بالفعل أختي الصغيرة وده واجبي تجاهك
تنهدت سلمي في حزن .. فأشفقت عليها وعد وقالت .. أنا عارفة إن اللي بتمري بيه ده صعب .. وأصعب من إن أي حد يقدر يتحمله .. بس أكيد ربنا له حكمة في كده
ردت سلمي بتلقائية : صدقيني أنا عارفة كويس أنه ده إختبار من ربنا .. وكمان تذكير ليا .. لما سيدنا إبراهيم قلبه تعلق بإبنه ربنا أمره بذبحه .. ولما سيدنا يعقوب قلبه تعلق بسيدنا يوسف أخذه منه أهو  أنا كانت حياتي كلها عبارة عن انس .. كان هو أكتر حاجة قلبي متعلق بيها .. عشان كده ربنا حب يفهمني أنه ممكن يتاخد مني فأي لحظة .. عشان قلبي يفهم إن التعلق بغير الله مذلة .. وحتي امي واللي حصلها . نفس الكلام .. لازم قلبي يبقي متعلق بحب ربنا وميبقاش في حد شاغله حتي أقرب الناس ليا .. وأنا فهمت الدرس بس خايفه .. وطاقتي قربت تخلص!
كان ثباتها وقوة إيمانها مثيرا للإعجاب .. فقلما تجد من يفهم الحكمة وراء ما يحدث له ..ربتت وعد علي يديها وهي تبتسم أما خالد فكان وضعه مثيرا للغرابة ... لماذا يشعر أنه يراها الأن .. ولأول مرة بطريقة مختلفه!!
آثرت وعد أن تؤجل الحديث عن أنس حتي الصباح حتي يتسني لتلك المسكينة أن تريح عقلها مما حدث وبالفعل خلد الجميع إلي النوم ...
في صباح اليوم التالي إستيقظ خالد مبكرا بل إن الوصف الأدق له أنه لم يتذوق للنوم طعما .. وفضل ان يذهب للجامعة باكرا حتي لا تخجل سلمي  من وجوده ..
وبالفعل هاتف خالد صديقه علي ليخبره أنه يريده في الجامعه بعد ساعة من الأن ليحدثه بأمر هام
وصل علي ليجد خالد في إنتظاره ويبدو عليه الإرهاق الشديد .. جلس وعلي وجهه علامات القلق وسأله في لهفة : مالك يا بني في إيه ؟
قال خالد بمنتهي التأثر :معرفتش أنام إمبارح يا علي
أغمض علي عينيه بيأس وقال :  خالد إحنا نعرف بعض بقالنا أد إيه؟
خالد: ياااه بقالنا بتاع 16 سنة كده ليه يعني ؟
علي: مش شايف إنه جه الوقت اللي ننهي فيه الصداقة اللعينة دي ؟ مش حرام علي أهلك يعني؟ مصحيني من أحلي نومة ومنزلني علي ملا وشي وفي الأخر مجاليش نوم يا علي ؟ يا أخي إنشالله عنك ما نمت أنا مال أمي
خالد: يبني والله إكتشفت إمبارح حاجه عجيبة !!
علي: ها إشجيني يا عم كرومبو ؟
خالد: عارف سلمي عبد الرحمن ؟ اللي هي صاحبة مريم وخديجة عارفها ؟
علي وقد بدأ قلبه يتسارع في دقاته ... ما تنجز يا خالد مالها ؟
خالد: إكتشفت إن هي أخو أنس المتهم اللي حكيتلك عنه اللي وعد أختي بتعالجه
في لحظة كانت علامات الفزع تنتشر علي وجه علي وقال: إنت بتقول إيه؟؟؟؟ سلمي حصلها ده كله ؟
خالد: اه والله .. لسه مكتشف إمبارح
علي : وإنت عرفت منين ؟ إنت بتكلم مريم ؟
خالد: لا لا مريم  إيه ... هحكيلك .. وقص خالد علي صديقه كل ما حدث من بداية اليوم إلي أخره
علي : يعني سلمي بايتة عندكوا من إمبارح ؟
خالد: أيوة
علي: وإنت بقي قولتلي حاسس إيه ؟
خالد: حاسس إن هو ده إستايل البنت اللي كنت بحلم بيه... بنت قوية وثابتة مفيش حاجه تقدر تهز علاقتها بربنا .. بتتكلم بكل يقين .. تحسها كده حد هياخد إيدك للجنة
علي :أنا بقي هاخد إيدك وبقيت جثتك للمشرحة  ؟
خالد: أفندم؟؟
علي: إنت إيه؟ مبتحسش بجد؟ أنا خلاص معدتش لاقي حل معاك .. من يومين كنت هتتجنن عشان مريم مبقتش معبراك ودلوقتي بتكلمني عن سلمي ؟ أنت شايف إن أنت كده متدين يعني وربنا راضي عنك ؟ أنت فاهم غض البصر غلط علي فكرة .. وطول ما أنت كده هتحب علي نفسك طول ما أنت ماشي وقلبك مش هيشبع لأن كل بنت وليها ميزتها وسحرها!
قال خالد وقد صدمه رد فعل صديقه : أنت اللي بتقول كده ؟
علي: أه أنا اللي بقول كده ... وأحسنلك تروح تحكي لبلال كلامك .. لو خايف تحكيله يبقي أنت أصلا عارف أنك غلط وبتستهبل ..
قال خالد في تحدٍ: لأ هحكيله أنا قلبي مش بإيدي !!
إبتسم علي في سخرية وقال: بس في إيدك تمنع عينك تبص علي اللي مش ليها... عشان العين بتحب قبل القلب!
إنطلق علي غاضبا وجلس خالد مكانه يفك بإمعان فيما سمعه ...
إستيقظت وعد علي صوت هاتفها.. نظرت بجانبها وجدت سلمي تصلي ... جلست في مكانها وأمسكت الهاتف وما إن قرأت الرسالة التي بعثها "رقم مجهول" حتي هبت في ذعر وقالت: إيه الأرف ده علي الصبح!!
أنتهت سلمي من صلاتها وقالت: في إيه يا وعد؟
وعد: إتفضلي أقري
أخذت سلمي الهاتف وقرأت ما به و وجدت رسالة مكونة من سطر واحد "وعاملالي فيها محترمة"؟

السبت، 19 ديسمبر 2015

رواية وعد
الحلقة الحادية عشر
عندما باعد بين جفنيه شعر وكأنه تخلص من عذابه وصعدت روحه لربها و سكنت الجنة ... ولكن ما إن بدأت الرؤية في الوضوع عَلِم أنه الجحيم بعينه !
في صباح اليوم التالي ذهبت وعد لعملها وكعادتها كل صباح تبدأ المرور علي مرضاها وكانت دائما تبدأ مرورها بغرفة أنس ..
دخلت الغرفة واقتربت منه كي تبدا الفحص .. ما إن إقتربت حتي وجدته يحاول أن يفتح عينيه في إرهاق...
وعد: أستاذ أنس... أنت سامعني ؟؟ لو سامعني حرك صوابعك..
وبالفعل إستجاب لها وقام بتحريك أصابعه وتيقنت أنه عاد أخيرا من غيبوبته!
بعد فترة ليست بالقصيرة كان انس قد إستعاد كامل وعيه وترتسم علي ملامحه نظرة تائهة!
كانت وعد تريد أن تفهم منه ما جري قبل ان ينتشر خبر عودته من الغيبوبة .. فمن الممكن أن ينقلوه ولا تستطيع مساعدته!!
بعد أن فحصته وعد نظرت له قليلا ثم قالت : أستاذ أنس حضرتك  حاسس إنك أحسن؟
أنس: الحمد لله..
وعد: طيب قادر نتكلم شويه ؟
حرك أنس عينيه ببطئ دلالة علي موافقته فأكملت قائلة: مبدأيا أعرفك بنفسي أنا دكتورة وعد المسئولة عن حالتك .. حضرتك تقدر تقولي إيه اللي حصل معاك بالظبط؟ مين اللي عمل فيك كده وليه ؟
أغمض أنس عينيه بشدة ثم قال : عمل فيا إيه ؟ أنا مش فاهم حاجه!
وعد : مش فاهم !! مين اللي ضربك ؟؟ مين السبب في الحالة اللي أنت وصلت بيها المستشفي ؟!
أنس: ضربني ؟؟ مستشفي؟؟
ظلت وعد تنظر إليه مشدوهة .. ثم ما لبست أن قالت : أستاذ أنس حضرتك عارف النهارده كام في الشهر ؟
رد أنس بتلقائية: النهارده 25 نوفمبر
نظرت وعد له بصدمة تحاول إستيعاب ما توصل إليه عقلها فاليوم هو الثامن من شهر ديسمبر..
قاومت وعد ليخرج صوتها ضعيفا فقالت: هو حضرتك أخر حاجه فاكرها ايه ؟
أغمض انس عينيه وقال في ضعف: أنا مش قادر أجمع أوي بس تقريبا كنت مسافر والعربيه اللي كنت فيها وقفت في كمين وساعتها شديت مع ضابط الكمين وخدني معاه في البوكس
وعد: وبعدين؟
أنس مش فاكر أي حاجه بعدها .. هو إيه اللي حصلي ؟!
كان سؤاله بمثابة دلو ماء بارد سُكب عليها فقالت: احنا كمان مش عارفين يه اللي حصلك بس من الواضح إن الحادثه أثرت علي ذاكرتك.
أنس: يعني ايه ؟! أنا مفقدتش الذاكرة أنا فاكر كل حاجه !
وعد:فاكر كل حاجه زي إيه ؟
أنس: إن إسمي أنس عبد الرحمن وإني شغال مهندس وإن عندي 29 سنة وعندي أخت وإن أمبارح كنت رايح أودي حاجات معايا لقرية في الصعيد .. أنا فاكر كل حاجه بالتفصيل
تنهدت وعد في ضيق ثم قالت: حضرتك عندك فقدان جزئي في الذاكرة.. أنت منستش إلا اليوم اللي حصلك فيه الحادثه والتفاصيل بتاعته..لأن ببساطة النهارده 8/12 مش 25/11 !!
ظل أنس محدقا في الفراغ ثم ما لبس أن قال أنا عايز أشوف أختي
طمأنته وعد أنها ستحاول أخذ إذن لأخته بالزيارة .. ثم إستأذنته في الخروج لتستكمل عملها..
عندما خرجت من غرفتها شعرت بأنها كالغريق .. تريد فعل كثير من الأشياء قبل أن يعرفوا بخبر إفاقته... وفجأة صرخ عقلها بأسم  من سيدلها علي التصرف الأمثل ..
إتتجهت سريعا لمكتبها كي تحادثه وما إن فتحت الباب حتي وجدته أمامها!!
بلال: صباح الخير يا دكتورة .. يا رب يكون التقرير إتكتب !
وعد: أستاذ بلال إلحقني لو سمحت .. أنا كنت لسه هكلمك كويس إنك جيت!
.. هل قلبه ينبض بشده ؟ لماذا يشعر بسخونة إجتاحت أنحاء جسده ؟ ما هذا الشعور الذي تسببت فيه كلماتها؟
أخذ ينفض راسه بعنف حتي تعجبت وعد من فعلته فقالت : في إيه ؟
قال بلال : مفيش .. إحكيلي  في إيه ؟
وعد: أنس فاق!
بلال: طب هايل كده يبقي الموضوع قرب يتحل!
قالت وعد بإحباط : لا ده إتعقد أكتر! أنس فقد الذاكرة!
عقد بلال حاجبيه في إنزعاج وقال: فقد الذاكرة!!
وعد: أيوة عنده فقدان جزئي في الذاكرة مش فاكر أي حاجه من اللي حصلتله!
بلال: لا حول ولا قوة إلا بالله ... طب والعمل ؟
قالت وعد في عصبية : أنت بتقولي أنا ايه العمل وأنا اللي جايه أسألك؟ قولي أتصرف إزاي والمفروض أعمل ايه دلوقتي ؟
صمت بلال قليلا كي يعيد ترتيب أفكاره ثم قال بهدوء: الصحيح دلوقت إنك تروحي تبلغي مديرك وبلغيه إنك عرفتيني عشان أجي أبدأ التحقيق وسلميه التقرير اللي إتفقنا عليه
وعد: طب وبعدين؟؟ هو معني إنه فقد الذاكرة إننا نسيب حقه يضيع ؟
قال بلال بإنفعال: هو حضرتك كنتي من بقية اهله؟؟ أظن ده شغلي وأنا أدري بيه ياريت سيادتك تنفذي كلامي ومش عايز أسمع نقاش!
وإلتفت مغادرا تاركاً إياها تشتعل!
....
كان خالد وصديقه علي جالسين كعادتهم في كافيتريا الجامعة في إنتظار موعد المحاضرة في اللحظة الذي مرّت بجوارهم كي تذهب لصديقتها...
ظل خالد ينظر إليها مندهشاً وقال  : هو إيه الجنان ده بقي ؟
علي:....
خالد: شوفت يا علي .. مش بقولك بقيت قاصدة تتجنبني؟ شوفت عدت وحتي مقالتش صباح الخير؟ هي تقصد إيه كده يعني ؟
علي:....
خالد: ماشي انا أصلا ولا فارق معايا وأساسا مبكلمش بنات أصلا حرام ولو جت تكلمني ههزقها زي زمان لحسن تكون شافت نفسها عليا ولا حاجه!
علي:.....
لم يدري علي أن جزاء سكوته "قلم" معتبر سيترك أثرا طويلا علي مؤخرة رأسه
علي: كان يوم أسود ملوش ملامح والله
قال خالد غاضبا: يوم ايه ده !!
رد علي متأففاً: اليوم اللي عرفتك فيه يا بعيد .. إيد دي ولا مرزبة أنا نفسي أفهم ؟ عايز ايه علي الصبح!
خالد: منا بتكلم مع نفسي بقالي ربع ساعه!
علي: مش شايفني بطفح!!
 خالد: يعني هو أنت بتطفح بودانك!
علي: يا عم سمعتك... بس الصراحة فضلت أسكت عشان لو إتكلمت هتزعل
خالد: ليه بقي؟
علي: عشان إنت مش مريح نفسك .. شاغل بالك بيها ليه؟؟؟ ما تتجنبك مش ده اللي انت كنت عايزه؟ ايه الجديد؟؟ ولا أنت متوقع إنها من غير كرامة أنت تعمل فيها اللي تعمله وهي تفضل كويسه معاك وتعاملك حلو ؟
خالد: يعني إيه؟ يعني تقصد إنها كرهتني ؟
علي: ولنفرض يا أخي ؟ هي حرة واللي أنت عملته فيها مكنش قليل .. وبعدين أنا فعلا عايز أفهم شاغل بالك بيها ليييه؟ مش عادتك يعني تركز مع بنت.. مش طول عمرك عاملي شيخ وبتقول حرام وقارفني في حياتي ؟؟
خالد: أنا لسه زي ما أنا علي فاكره وبعدين إيه قارفك في حياتك دي تنكر إنك أما بطلت تصاحب ربنا رضي عنك وحياتك بقي فيها بركه أكتر ؟
علي: بالظبط كده يا ريت أنت كمان تفتكر ده عشان ربنا يفضل راضي عنك ومتوجعش قلبك ولا قلب حد تاني معاك!
صمت خالد مفكرا في حديث صديقه فبالفعل هو يشعر بتغيير طرأ علي قلبه ولن يجد سواه كي يعيد قلبه لوضع الأمان !
 كانت مريم في تلك الأثناء تجلس مع صدقيتيها المقربتين ودار بينهما حوارا مختلفا:
خديجة:مريم أقولك حاجة ملاحظاها بس من غير ما تقفشي ؟
أبتسمت مريم برقة متوقعة ما ستلقيه صديقتها علي أذنيها ولكنها قالت ببشاشة: قولي يا ديجا اللي في نفسك كله
خديجة: بصراحة حاسة أخيرا ببداية تغير .. يعني حاسة إن أخيرا إقتنعتي إن كلامك ومشاعرك ناحية خالد كانت غلط وبدأتي تقللي تعلقك بيه ..
مريم: في حاجات كتير فهمت إنها كانت غلط وكانت بتستنزف مشاعري علي الفاضي ياخديجة وإني كنت غبية أما بعمل عكس اللي ربنا أمرني بيه وفي الأخر أنا اللي تعبت بس كان معاكم حق .. إن شاء الله كل حاجه هتتصلح
خديجة: تقصدي ايه بكل حاجه؟
مريم: اقصد إن هخلي اللي حصلي ده درس أتجه منه للسكة الصح بكل كياني.. فاكرة لما سلمي كانت بتقولي أتعاملي دايما بتوجيهات ربنا.. قبل أي حاجه في حياتك شوفي جواكي بسرعه ربنا قال عنها ايه وبعدين إتصرفي هتلاقي تصرفك صح .. في اللبس والتعامل مع اللي حواليا مع إختياراتي في كل حاجه وقبل أي قرار أخده .. لو عملت كده معتقدش إني هقع في ذنب زي اللي كنت بعمله ده
تنهدت خديجة في ألم بذكر سلمي وقالت: سلمي.. الله يعينها ويقويها علي اللي هي فيه .
قالت مريم متأثرة: أنا مفهمتش منها حاجه وهي محكتليش غيرإن أخوها في المستشفي معرفش أكتر من كده ومحبتش أسأل عشان أكيد هي مش قادرة تتكلم ...
خديجة: والله يا مريم هو الموضوع شائك أدعيلها وخلاص
مريم: طب إيه رأيك نعدي عليها النهاردة أنا بقالي كتير مشوفتهاش وهي وحشتني وبالمرة نديها المحاضرات اللي فاتتها دي ؟
خديجة بعد تفكير: ماشي موافقه
....
قامت وعد مجبرة بتنفيذ جزءا بسيطا مما قاله  لها ذلك المتعجرف –من وجهة نظرها- وأخبرت مديرها  بعودة أنس من غيبوبته ..
أما عن التقرير.. فقد جهزت لهم جميعا مفاجأة من العيار الثقيل..
عندما إستدعي مديرها وكيل النيابة كي يستجوب المتهم.. طلب بلال منه التقرير .. فأستدعي منير وعد كي تقدمه
قال منير وهو ينظر لها نظرة ذات مغزي: دكتورة وعد عايزين  التقرير الخاص  بحالة المتهم أنس عبد الرحمن علشان بلال بيه عاوز يطلع عليه ..
قدمت وعد التقرير لمنير الذي ما إن قرأ سطوره الأولي حتي إحتقن وجهه بشدة ..
لم يستوعب بلال ما يحدث وطلب التقرير .. وما إن أمسكه حتي أصابه الزهول ولكنه بالطبع لم يسمح لذلك الإنطباع بالظهور علي ملامحه ... قرا ما يكفيه ثم قال : طيب كده الحكاية متوقفه علي المتهم.. أقدر أستجوبه .؟
منير: أه طبعا هبعت مع حضرتك الممرضة توصلك لغرفته يا فندم.
ما إن خرج بلال حتي هب منير قائلا: يعني إستغفلتيني وعملتي اللي في دماغك... أنتي مصرة تضيعي نفسك!
وعد: أنا مش فاهمة حضرتك مصمم تكبر الموضوع ليه؟ إحنا معليناش أي شبهه جنائية وملناش دعوة إحنا شخصنا الحالة وخلاص الباقي مشكلة اللي عذبوا أنس!
نظر لها منير ثم قال بصوت أشبه بالفحيح: طيب يا وعد.. إفتكري إني حزرتك من اللي ممكن يحصلك
قالت وعد في ثبات: وأنا مبخافش!
ثم تركته وخرجت من مكتبه لاهثه .. وإتجهت لغرفة أنس حتي يتسني لها سماع ما يقال .
في غرفة أنس كان بلال مستقرا فوق أحد المقاعد المتراصة أمام سريره ينظر له بعمق ثم قال : إحكيلي بالضبط ايه اللي حصل
أنس: أنا كنت رايح قرية في الصعيد أودي حاجات لناس معرفة... وفي السكة قابلنا كمين ونزلونا عشان نتفتش .. الظابط سابهم كلهم وقالي افتح شنطتك دي ياله وهزئني من غير ما اتكلم معاه حتي .. فتحتله الشنطة وبص فيها لقي بطاطين وأكل وزيت وسكر وحاجات تموين قالي وده إيه بقي؟ قولتله حاجات موديها لناس معرفة قالي وريني بطاقتك وريتهاله ولقي في الشنطة الباك بتاعتي لاب توب وفلاشه فتحهم ولقي عليهم دروس علم شرعي كنت منزلها حاجه خاصة بيا ولقي كتاب قرءان... المهم لاقيته بيقولي إنت شكلك إخوان عشان دقني تقريبا .. قولتله انا مش تبع حد قالي إنت هترد عليا وقام مركبني البوكس وبعدها روحنا القسم وفضلت مرمي في زنزانة حوالي يومين وبعدها إستدعوني عشان يعملوا معايا تحقيق ....
بلال: كمل وبعدين ؟
أنس: مش فاكر حاجه بعد كده!
بلال: إزاي يعني؟
أنس : زي ما بقول لحضرتك كده
بلال: يعني أنت فاكر كل التفاصيل دي ومش فاكر حاجه بعدها ؟
أنس: أيوة .. هو انا ممكن افهم ايه اللي بيحصل؟ وإيه الجريمة اللي تخليهم يقبضوا عليا ؟ أنا معملتش أي حاجه غلط ولا تخالف القانون بلال: طب أنت كنت رايح بالحاجات دي فين ؟
تنهد أنس في ضيق وقال : أنا متعود في أواخر كل شهر بروح الأماكن اللي فيها قري معدومة وأودي هناك اللي يقدرني عليه ربنا معرفش إن ده ممكن يكون سبب تهمة سياسية يعني!!
نظر له بلال مطولا... فهو علي علم بصدق الشخص الماثل أمامه... فهكذا أصبحت الحياة في بلدنا الحبيب... أصبح من حق أي شخص يمتلك السلطة أن يتلاعب بمصائر البشر... .. أصبح الدين تهمة... وممارسة شعائره بوضوح جريمة .. والدعوة إليه خيانة سياسية ... في عصر مثل الذي نحياه يمكن أن تُنتهك حقوقك لأنك تلزم الصلاة بمسجد... او لأنك تقيم درس فقهي عقب كل صلاة... او لأنك ببساطة قررت تنفيذ تعاليم دينك والتمسك بها .. أو حتي لأنك تلتزم جانب الحق !!
بعد فترة صمت ليست بالقصيرة قال بلال: طيب دلوقتي التقرير اللي قدامي مكتوب فيه إنك تعرضت لتعذيب شديد وإنتهاك جسدي .. تقدر تنفي أو تثبت الكلام ده؟
ظل أنس صامتاً ينظر لبلال ناظرة جامدة ... وعيناه تلتمع بالدموع ... ثم قال بصوت خفيض : لأ مفتكرش
بلال: يعني ايه متفتكرش؟ يعني بتنفي ؟
صرخ أنس بألم: مش فاكر حاجه قولتلك مش فاكر!
في ذلك الحين تدخلت وعد –اللتي كانت تتابع حديثهما منذ البداية – وقالت: لو سمحت يا فندم كفاية كده النهارده المريض لسه مأتمش شفاؤه ومينفعش يتعرض لضغط عصبي
صك بلال أسنانه بشدة بمجرد سماع صوتها وإتجه بحديثه لبلال قائلا: انا همشي دلوقتي وهسيبك ترتاح... بس هاجي تاني يمكن تكون قدرت تفتكر !
نظرت وعد لأنس وقالت: إرتاح دلوقت ومتفكرش في حاجة
وتركاه وحيدا حائرا يفكر فيما سمع !
ما إن خرجا من غرفته حتي غادر بلال دون أن يوجه إليها أي كلمة ركضت خلفه حتي تسأله فيما سيفعل فقال بحدة دون النظر إليها : معتقدش أنه شغلك يا دكتورة بعد إذنك!
تركها كعادته في الآونة الأخيرة تشتعل غضبا ولكنها مهما غضبت لن تصل إلي ما يشعر به من غليان !
بعدما غادر بلال هاتف أخيه واخبره أنه يريده بأمر هام
....
في مكتبه كان يجلس مشتعلا... فيبدو انه تهاون مع الأمر حتي أصابته الضربة في مقتل
وليد: يعني ايه قدمت التقرير الحقيقي للحالة لوكيل النيابة!! ازاي ممنعتهاش!
منير: أمنعها ايه الراجل كان قاعد قصادي وهي أدتني الملف قدامه
وليد: يا دكتور هو أنا اللي هعد عليك برده ؟ هو ده ينفع يعني ؟ مينفعش كده والله كان المفروض حضرتك تشيك علي كل حاجه قبل ما تطلبه !!
منير: أنا كنت مهددها وهي وافقت تكتب التقرير مكنتش متخيل إنها ممكن تطلع مستبيعة كده
وليد: أنا من الأول قولتلك مش مستريحلها..طب العمل دلوقتي ايه ؟
منير: مش عارف.. طب إحنا ممكن نشوف مية وكيل النيابة ده ايه.. ما هو اكيد رجالتنا هناك مش هيبعتوا أي حد!
وليد: أنا حاولت أكلم وكيل النيابة اللي كانوا دايما بيبعتوه مردش وتليفونه علي طول مقفول ... إيه يا دكتور تفتكر هيبدأوا يغدروا ؟
منير وقد جف حلقه: لا مظنش ..
وليد: طب هتسيب وعد دي كده ؟
منير : لأ وعد دي ليها تكتيك تاني خالص!
في بيتها وبعد أن صعدت وجدته يقطع الصالة ذهابا وإيابا كأنه ليث مقيد في محبسه .. ما إن ألقت التحية حتي وجدته يزأر
بلال: ممكن أفهم ايه اللي أنتي عملتيه ؟؟؟
ردت غاضبه: لو سمحت متعليش صوتك!
بلال: ردي عليا!!
تدخل خالد مهدئا الوضع قائلا: يا جماعة إهدوا لو سمحتوا خلونا نفهم في ايه تاني!
بلال: أختك يا أفندي كتبت تقرير مفصل بحالة المتهم وكتبت أنه اتعرض للتعذيب وسلمتني التقرير قدام مديرها... وضربت بكلامي وبتهديداته ليها عرض الحائط!!
وعد: أنت كنت عايزني أكتب التقرير واسلمه وانس فاقد الذاكرة ومش هيقدر يقول بنفسه إنه إتعرض للتعذيب ويضيع حقه علي كده!
بلال: أنا قولتلك إني هتصرف... أديكي هتأذي نفسك بغباءك!
هبت وعد صارخة وقال: أنا مسمحلكش تهينني!! أنا سكتالك من الصبح وأنت عمال تزعق فيا .. أنا حرة أتصرف زي ما أنا شايفه ومحدش له دخل... أنت ملكش دعوة أأذي نفسي ولا مأذيش!
نظر لها بلال مطولا ثم تركهم وهرول خارجا من المنزل وخلفه خالد يحاول اللحاق به !
في تلك الأثناء كانت سلمي تتعرض لأقسي ما يمكنها أن تمر به في تلك المرحلة من حياتها.. فلم تكن حياتها تحتاج لمزيد من الاوجاع ولكن الوجع تلك المرة غير...

الأحد، 13 ديسمبر 2015

رواية وعد 

الحلقة العاشرة 
ظلت وعد تحاول جمع شتات نفسها ومن ثم قامت لكي تتفقده .. وما إن فتحت الغرفة كانت المفاجأة !
  
 وعد: سلمي ؟؟؟ بتعملي ايه هنا ودخلتي ازاي ؟
سلمي : قولتلهم اني جايالك
وعد: ليه بس كده احنا كده ممككن نتأذي
سلمي : الموضوع  ضروري
وعد: طب تعالي أدخلي ..
أدخلتها وعد مكتبها وبعد السؤال عن حالها وحال والدتها قالت سلمي
دكتورة .. أنا حسيت منك أد إنتي متعاطفة مع أنس ونفسك تساعديه.. وعشان كده انا جيتلك.. انا عايزة اهرب أنس!
قامت وعد من كرسيها فزِعة وقالت: نعم؟؟؟ إنتي عايزانا كلنا نتحبس صح؟
سلمي يا دكتورة بعد اللي فهمته واضح إن حد موصي علي أخويا .. لأن أنس لا يمكن يعمل اي حاجه والله حتي السياسة ملوش فيها تقدري تقوليلي إعتقلوه ليه ؟
وعد: بصي يا سلمي أنا مقدرة خوفك بس اللي إنتي بتقوليه ده مينفعش... سيبي الموضوع عليا وصدقيني أنا هساعدك بس كل حاجه بالعقل حلوة
سلمي: طب يا ريت تقوليلي التطورات أول بأول
وعد: أكيد طبعا إن شاء الله
وبعد أن غادرتها سلمي إتخذت وعد قرارا هاماً..
...
بعد إنتهاء المحاضرة توجه خالد مع صديقه علي تجاه الكافيتريا وجلسوا سويا
علي: لا.. ده واضح إن الحوار كبير
خالد: حوار إيه ؟
علي: منا مش عارف حوار إيه بس واضح كده إنك مش طبيعي.. سرحان طول اليوم والصبح تسالني عن شكلك.. في إيه يا بني مالك
خالد: منا لو قولتلك مالي مش هخلص من لسانك
علي: طب ولو مقولتليش مالك تخلص من لساني يعني؟
خالد: لا
علي: طب شوفت بقي إحكي مالك وهحاول مسفش عليك
تنهد خالد بشدة وقال: أنا حاسس بحاجة غريبة اليومين دول 
علي: متشلش أمي.. إنت هتنقطني بالكلام ما تنجز ياله !
خالد: يا بني إهدي بقي! بص من الأخر كده أنا حاسس إني بقيت أفكر في مريم اليومين دول كتير!
علي: بتفكر فيها إزاي يعني ؟
خالد: معرفش بقيت عايز أشوفها وعايزها تكلمني زي الأول .. بس النهارده عديت من جنبها وهي حتي ولا بصتلي
علي: يا عيني علي الرجالة
خالد: في ايه يا بني ادم انت ما تتلم !
علي:  أقولك ايه يعني بني ادم غريب صحيح .. ما البنت كانت مهتمة بيك وبتحاول تبينلك ده وأنت كنت عامل زي الصنم .. دلوقتي بعد ما نفضتلك خدت بالك انها مهمة وانك بتفكر فيها!
خالد: منا نفسي مستغرب ومش عارف أعمل ايه؟
علي: لأ أبوس ايدك متعملش حاجة!! انت اصلا ممكن تكون مفتقد احساس انك مهم وان في بنت معجبة بيك وبس! الله يخليك يا خالد بلاش تعك الدنيا مع مريم أكتر من كده وإهدي لحد ما تتأكد من مشاعرك!
خالد: تصدق بالله أول مره أحس ان عندك عقل زي باقي البشر
علي: يبني أنا طول عمري كده بس مدكن
خالد: طب يلا يا أخويا  المحاضرة التانية هتبدأ
بعد يوم شاق من العمل  وقبل أن تغادر وعد مكتبها فوجئت بذلك المسمي وليد يدخل مكتبها
وعد: خير يا دكتور ؟
وليد: لا خير طبعا... أخبار المتهم اللي جوه ده ايه ؟
وعد: لسه في الغيبوبة ... مافقش منها
وليد: والتقرير... يا تري إتكتب ؟
قامت وعد من مكتبها وقالت بعصبية واضحه: مظنش إنه شغل حضرتك!
قال وليد ببرود: طيب طيب متتعصبيش كده .. ولو إنك لما بتتعصبي بتبقي...
وترك جملته مفتوحة وأدار لها ظهره وخرج ! أما هي فكادت تموت قهرا... تري ما ذا يخبئ لها القدر مع هؤلاء الاشخاص!
رجعت وعد منزلها منهكة كعادتها في الآونة الأخيرة ..وفور دخولها سمعت صوته.. رباه ألن تأخذ هدنة من تواجده حولها ؟ وقبل أن تتوجه إلي غرفتها توقفت عند جملة هو قائلها : يا ساتر يا رب مخلوقة لسانها متبري منها يا حسن.. مش عارف أخد معاها حق ولا باطل.. ومش عارف أتصرف طبعا من غير مساعدتها حاسس إني هطق دماغي واقفه مش عارف أتصرف إزاي عشان كده إتصلت بيك.. أنت شايف إن اللي في دماغي ده صح يعني؟ تمام يا باشا هبلغك بالتطورات أول بأول .. في رعاية الله
ما إن أنهي إتصاله إستدار فرأها واقفه خلفة وعينيها توحي بكم الغضب الكامن بأعماقها..
تحدث بلال بمرح قائلا: مش حرام نقف نتصنت علي مكالمات الناس؟
ردت وعد بحدة: أنا متصنتش علي حد! أنا كنت داخلة أوضتي لاقيتك واقف بتتكلم وجبت سيرتي!!
ضحك بلال بشدة وقال .. بصراحة حضرتك مستفزة !! أنا جيت لحضرتك الصبح ومع ذلك قررتي تلبسينا كلنا في حيط لمجرد إنك مش عايزة تتعاملي معايا... أكيد أنتي حرة في موقفك الشخصي مني وأنا بعد ما وضحتلك سوء الفهم اللي كان حاصل مش هسعي أغير فكرتك عني... بس أما الموضوع يبقي متعلق بحرية بني أدم وحقه يبقي المفروض نتعامل بعقل و موضوعية أكتر من كده !
ظلت وعد جامدة مكانها... لماذا تخسر كل نقاشاتها أمامه.. أهو ضعف منها أم  قوة حجة منه؟ علي كلٍ لابد أن تبلغه قرارها قبل ان تعود فيه!
وعد: عموما يا فندم أنا كنت جايه أقولك إني فكرت كويس وقررت أتعاون معاك عشان مصلحة أنس
... هل هذا ال"أنس" يمثل لكي تلك الأهمية؟ أن تضحي بكبريائك وتتنازلي عن حربك معي في سبيل مصلحته؟؟ كل تلك الأسئلة دارت في باله دون الإفصاح عنها.. ولكنه لم يستطع منع نفسه من قول
: واضح إن أنس حد مهم أوي
وعد ولم تلتقط نبرة السخرية في حديثه: لا مش كده .. بس عندي إيمان غريب ببراءته.. خصوصا بعد ما شوفت اخته و والدته وسمعت كلامهم عنه وعن مواقفه مع اللي حواليه .. فحسيت إني مسؤلة عن مساعدته
بعدما أنهت كلامها قال ... طيب يا ريت نبدأ الجد بقي وتقوليلي حالته بالضبط وكل الكلام اللي كنتي هتكتبيه في التقرير الحقيقي !
بعدما إنتهت وعد من شرح مفصل لما وجدته في حالة أنس من أثار تعذيب قال بلال: عموما كده الموضوع كله متوقف علي أنس
وعد: إزاي بقي؟
بلال: متنسيش إنهم اكيد هيهددوه زي ما عملوا معاكي  وساعتها هو يا يوافق ويسكت يا إما يرفض ويساعدنا نجيبله حقه!
وعد: معاك حق .. طب أنا دلوقتي المفروض أعمل ايه ؟
بلال: إكتبي التقرير زي ما طلبوه منك ..
هتفت وعد غاضبة وقالت :أنت عايز توديني في داهية صح ؟
أغمض بلال عينيه في يأس وقال: يا دكتورة ممكن تهدي وتبطلي سوء الظن والتسرع ده ؟ فهميني هوديكي في داهية ليه ؟
وعد : عشان سيادتك عايزني أكتب التقرير بتاعهم و لما تيجي أنت تطعن في التقرير ده وإنه المريض إتعذب أروح أنا في داهية لأني أنا اللي كاتباه!!
بلال: طيب سجلي عندك موقف سوء ظن كمان... أنا بقول هتكتبي التقرير المزيف وتديه لمنير يديهولي... وفي نفس الوقت هتكتبي التقرير الحقيقي وتديهولي برده بس طبعا من غير ما حد يشوفه.. ولما أجي أقدم بلاغ في المستشفي ساعتها هيبقي إنتي بره الموضوع وعملتي كده حفاظا علي حياتك!!
ألن أنتصر علي ذلك الكائن أبدا؟ لماذا دائما لديه ما يبرر به موقفه ويضعني في موضع المتهم بدلا منه؟
خرجت وعد من شرودها علي صوت أخيها خالد قادما .. وما إن رأهما يجلسان سويا قال : اه قلبي .. اختي وأخويا مع بعض.. مش قادر أصدق عنيا
ضحك بلال علي دعابة أخيه أما هي فقالت بعصبية واضحه : خالد لم نفسك مبحبش الهزار ده !
خالد: خلاص يا ست الدكتورة أسفين .. المهم وصلتوا لحل في مشكلتكم؟
بلال: اه تقريبا إتفقنا علي الخطوات اللي هنمشيها
هتفت وعد فجأة وكأنها تذكرت أمرا هاما: أنا نسيت أقولكم .. سلمي أخت أنس جاتلي النهاردة .. وطلبت مني نهربه !
عقد بلال حاجبيه بشدة وأخذ يفكر قليلا ثم قال: حاولي مقابلاتك معاها تقل جوه المستشفي.. واكيد هيبقالها دور مهم معانا .. بس زي ما قولتلك كل حاجه متوقفة  علي أنس !
هزّت وعد رأسها علامة الموافقة ولكنها عندما نظرت لخالد وجدته شاردا تماما ..
وعد: خالد! مالك يبني عامل كده ليه ؟
خالد: مفيش مفيش مصدع وعايز انام
بلال: مع إن ده مش شكل واحد عايز ينام بس ماشي أدخل نام ولما تصحي لينا كلام
كادت وعد تستشيط غضبا... ها هو يسرق منها إهتماما بأخيها الوحيد.. نظرت له نظرات نارية وتركته لا يفهم شئ من تلك الغريبة متقلبة المزاج !!
... هل شعرت يوما أنك ضئيل جدا أمامه؟ وأن كل مشاكلك وأزماتك ليس لها قيمة أمام فيض رحمته؟ هل شعرت بالدفئ يوما أثناء صلاتك؟ وكأن تلك المناجاة جعلتك تستشعر لذة القرب منه؟
ذلك الشعور السرمدي بالأمان والطمأنينة.. يتسرب بداخلك وكأنه يسكب بداخلك نورا!! يجعل روحك شفافة .. ويحول قسوة قلبك ليناً
ذلك ما شعرت به مريم أخيرا ... لأنها ولأول مرة تقف بين يدي خالقها مستشعره رحمته بها .. إن كان الله هو من خلق لنا والدينا بكل ما يملكه قلبيهما من رحمه وحبا وحنانا .. فكيف هو بنا ؟
أنهت مريم صلاتها وإتجهت إلي رحيق تحدثها
إبتسمت رحيق برؤية أختها الحبيبة تستعيد نضارتها.. فلقد غختفت مسحة الحزن البغيضه من عينيها .. أفاقت من شرودها علي يد مريم تلوح أمامه هاتفة بسعادة : رحيق .. كملي كلامك عن الكتاب اللي كنتي بتقرأيه
إبتسمت رحيق بحنان وبدأت تقول: بيقولك يا ستي إن الإنسان قادر علي أن يحقق كل ما يتمني بمجرد الإيمان بحدوثه .. مثلا واحد طول حياته بيقول في باله أنا عملت ذنوب كتير.. مستحيل ربنا يغفرلي .. أنا حاسس إني داخل النار .. ومفيش ولا مرة يفكر يبدأ التوبة النصوح والعودة إلي الله !! طب ما طبيعي تموت علي معصيه ويتحقق اللي كنت بتقوله ؟ سبحان الله مع إنه كان ممكن يقول انا ذنوبي كتير بس ربنا عز وجل وعدنا بقبول التوبة إذا رجعنا إليه .. ومشترطش علينا حجم معين للذنوب! .. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله "صلي الله عليه وسلم" قال .. قالي الله تعالي: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) شوفتي رحمة ربنا ؟؟ ومع ذلك الناس بتكسل تتوب!! وتقولك أصل انا مينفعليش توبه !! سبحان الله في أمرك ده صاحب الشأن جلّ علاه فاتحلك بابه و وعدك بقبول التوبة .. ومثال تاني في حد دايما واثق إن ربنا كاتبله الخير.. تلاقي يحصله كل مصيبة والتانية وده صابر ونفسه راضيه.. تلاقي بنت ربنا أخر عليها "رزق الزواج" وكبرت شويه في السن ومع ذلك عايشة بصفاء نفسي ومش حاط ببالها ودايما متفائلة ومش بتقول بقي أناعنست ولا أنا كده هعيش لوحدي .. أنا راحت عليا !! لا تلاقيها دايما أملها بالله إنه لن يخذلها .. وسبحان الله تلاقي ربنا رضاها وأكرمها بزوج صالح وذرية صالحة!! ده كان إنعكاس لثقتها بربها .. يقول رسولنا الكريم . يقول الله تعالي عز وجلّ "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" !
هتفت مريم : يعني أنا لو عايزة حاجه تتحقق أخليني علي يقين إن ربنا هيحققهالي ؟ بس كده ؟
رحيق: لا طبعا .. مش بس كده .. الأصل في الموضوع إنك تدعي ربنا بيقين إنه يرزقك بالحاجه دي ... تدعي وكل ذرة فيكي علي يقين بكرم ربنا .. وإنه قادر يحققلك ما تتمني مهما كان صعب!
مريم: طب ما فيه ناس بتعمل كده وبرضه مبيتحققش
ردت رحيق ببساطة قائلة : لو إنتي ماشيه في شارع وعارفه إن الشارع ده في حفرة .. وفضلتي تدعي ربنا متقعيش فيها .. و فضلتي مخليه بالك عشان متقعيش.. وجيتي فجأة سرحتي روحتي وقعتي فيها !! بس بعد ما طلعتي إكتشفتي إن فيه عربية عدت بسرعة وكانت هتخبطك لولا أنك وقعتي في الحفرة دي  يبقي ساعتها وقوعك ده اللي هو "عدم استجابة لدعوتك" كان خير ولا شر ؟
مريم: كان خير طبعا
رحيق: نفس الكلام ربنا ممكن يأخرلنا دعوة أو ميستجيبهاش لأن ده الخير لينا.. وهو ده برضه نفس مبدأ اليقين في الله وما عنده .. فهمتيني ؟
مريم: اه طبعا.. طب كملي قرأتي إيه تاني ؟
رحيق: لأااا .. النهارده كده خلصنا خلاص وحضرتك تقومي تنامي عشان الكلية
قامت مريم متأففة فقد كانت تريد المزيد !
….
في حياة كلاً منا شخص يمثل لنا الأمان..الدفئ والطمأنينة   وجوده حولك يجعلك أقوي.. تشعر أن لك سند في تلك الحياة .. حتي وإن كنت قويا.. حتي وإن كنت تستطيع حماية نفسك بنفسك.. ولكن وجود أحدهم بجانبك يجعل الحياة أكثر دفئا وراحة!
كان ذلك الشخص بالنسبة لسلمي هو أنس .. وذلك يُّعد شيئاً طبيعيا ... فهو أخاها والمسؤل عنها بعد أبيها رحمه الله.. أما الشئ الذي لا يٌّعد طبيعيا هو أن يكون ذلك الشخص بالنسبة لخديجة هو أنس أيضا!!
لم يكن ما تُكنه خديجة نحو أنس هو حب صامت فقط!! بل تعدي مرحلة الحب بمراحل.. فذكر أسمه أمامها كفيل بجعلها تشعر وكأن هالة من الأمان والطمأنينة تغلفها... تذكرت عندما هاتفتها سلمي كي تبلغها بإختفاؤه .. كيف ظلت تبكي لساعات.. كيف شعرت بقلبها يكاد ينفجر من شدة وتتابع دقاته.. تذكرت عندما فقدت سلمي الوعي داخل غرفته بالمشفي... عندما رأته غائبا عن العالم .. وموصل بكل تلك الأجهزة.. لم تكن سوي نظرة واحدة التي ألقتها عليه حينها.. ولكنها كانت كفيلة بجعلها تئن حتي اليوم! 
 الأشد قسوة من أن ينبض قلبك بحب شخص لا يحبك  .. هو أن تقع بحب من لا يشعر بك من الأساس.. تجهل أكانت معاملته معك حباً أم فقط تقديرا وإحترام؟
كانت تلك النقطة دائما ما تؤرق خديجة ... فعلي الرغم من قلة مواقفها مع أنس إلا أنها كانت دائما تراه يحسن معاملتها بشكل أو أخر كان يحترمها ويأمن علي أخته بصحبتها... ولكن هذا قطعا لا يعني أنه يكن لها أي مشاعر... فهو لم يرفع عينه إليها قط!
إنتشلت خديجة نفسها الضائعه من تلك الأفكار بصعوبة وقامت لكي تهاتف سلمي:
خديجة: إزيك يا سلمي عامله إيه ؟ وماما الحاجة أخبارها إيه ؟
سلمي: بخير يا حبيبتي الحمد لله
خديجة : هو إنتي مش هتروحي تشوفي أخوكي تاني ؟
ردت سلمي بتلقائية : منا روحت النهاردة
إنفعلت خديجة دون إرادة منها وقالت : روحتي من غيري ؟ ليه كده يا سلمي ؟
إستدركت خديجة خطأها وقالت بسرعة لتصليح موقفها .. أنا مش عايزة أسيبك لوحدك يا بنتي وبعدين عشان طنط متشكش أديني باجي أخدك وننزل زي ما هي متعودة
سلمي: معلش انا شغلتك معايا الفترة اللي فاتت كتير وكمان عشان أخوكي ميضايقش ..
خديجة : ماشي .. طب هو عامل إيه ؟ مفاقش ؟
سلمي: لسه يا خديجة .. إدعيله
اه لو تعلمي أن لساني لا يفتر عن الدعاء له ... ولكنها أجابتها بـ"نعم سوف أدعو له "
....
عندما باعد بين جفنيه شعر وكأنه تخلص من عذابه وصعدت روحه لربها و سكنت الجنة ... ولكن ما إن بدأت الرؤية في الوضوع عَلِم أنه الجحيم بعينه