رواية وعد
الحلقة الخامسة
جزء من الحلقة السابقة:
وصلت وعد المشفي ومن فورها
توجهت لغرفة الشاب لكي تتفقده وما إن وطأت قدمها الغرفة حتي وجدته يئن .. ذهبت
بالقرب منه علها تستمع إلي همهماته إلا
أنها لم تستطع ... خرجت وعد تاركه الغرفة وما إن خرجت حتي جاءت إليها إحدي
الممرضات لتخبرها طلب المدير في رؤيتها .. إتجهت وعد لمكتب المدير وما إن أذن لها
بالدخول ...دار بينهما الحديث التالي :
وعد: خير يا دكتور قالولي حضرتك
عايزني ؟
منير:كنت حابب أكلمك بخصوص
الشاب اللي عملتيله العملية .
إزدردت وعد ريقها ولكنها تركته
يسترسل قائلا..
منير: أظن طبعا فهمتي هو جراله
إيه ..
وعد : أيوة طبعا ..أ
لم يعطيها مجالا للرد بل أكمل
قائلا ..
:و أنتي طبعا اللي هتكتبي
التقرير عن حالته
أندفعت وعد قائله : طبعا .. أنا
مش ممكن أسكت !
قابل منير غضبها الشديد بصمت
وبعد فترة بدأ يتحدث وهو يضغط علي كل حرف من حروف كلماته قائلا بثبات : إنتي مش
هتعملي حاجة ومش هتدخلي في الموضوع ده نهائيا يا وعد .. أبوكي الله يرحمه لو عايش
كان هيعمل كده وأنا معتبرك بنتي مش بس بنت أعز أساتذتي .. أنا هكتفي اني هسيبك
تكملي متابعة معاه إنما لو صممتي هضطر أقصيكي عن الحالة تماما!
نظرت له وعد مبهوتة ... لم تكن
تتخيل أن ذلك سيحدث .. أستوافق وتترك ذلك المسكين وحيدا .. أستساعد في ضياع حقة ؟!
الحلقة الخامسة:
عندما رأي منير الحيرة بعينيها
أستكمل قائلا :
بصي يا دكتورة .. إنتي مش فاهمه
الناس دي ممكن تعمل فيكي ايه .. صدقيني أنتي مش هتساعديه زي ما أنتي متخيلة أنتي
هتأذيه أكتر وهتأذي نفسك !
خرجت وعد من مكتب مديرها علي
غير هدي... تشعر وكأنها تحلم بكابوس مزعج بل مخيف! ... لم تشعر بالضياع في حياتها
مثل تلك اللحظه !
مرّت وعد بجوار غرفته مرة أخري
وما إن وقعت عيناها عليه حتي شعرت وكأنها مشتركة في الجريمة المرتكبة ضده !
دلفت وعد إلي غرفته وظلت واقفة
أمامه ودموع ساخنة تسيل علي وجنتيها ... شعرت وكأنها تختنق ... وجودها معه يشعرها بذنب
يجثم علي صدرها ... تركت الغرفة وذهبت لكي تمر علي باقي المرضي علي أن تعود بعد فترة وجيزة وتكون قد هدأت
قليلا .
إستيقظت سلمي من نومها فهبت مسرعة لكي تتوضأ وتصلي
الفرض ومن ثم ذهبت سريعا لتطمئن علي والدتها ثم إلتقطت سماعة الهاتف وطلبت رقما
... ظلت منتظرة أن يجيبها الطرف الأخر في لهفة .. لم يطل إنتظارها فقد رفع الطرف
الأخر الهاتف ودار بينهما الحوار التالي:
سلمي : السلام عليكم ... ممكن
أكلم خديجة ؟
خديجة : وعليكم السلام ورحمة
الله وبركاته .. أنا خديجة مين حضرتك؟
سلمي : إزيك يا حبيبتي .. أنا
سلمي عبد الرحمن .. عاملة ايه
خديجة: الحمد لله بخير حال..
وحشاني يا سلمي والله
سلمي : إنتي أكتر . معلش يا خديجة
أنا في كرب ومحتاجة مساعدتك
خديجة: خير يا سلمي قلقتيني ...
أحكي في إيه وإن شاء الله أساعدك .
سلمي وقد قصت عليها أمر إختفاء
أخيها وطلبت منها في حرج أن تجعل اخاها يتقصي حوله ويحاول أن يطمئنها !
خديجة: من عيوني والله .. أول
ما محمود يرجع بالسلامة من مأموريته هبلغه واجيبلك الرد فورا .. ربنا يرجعهولكم
بالسلامة يا رب
أنهت سلمي المكالمة وقد شعرت
ببعض الأمل ينعش قلبها.
عادت وعد لتري أخر تطورات
الحالة وما إن دلفت للغرفة حتي رأت مشهد وقع عليها كالصاعقة ... فهناك أحدا ما
دخلا الغرفة و وضع أصفاد في يد الشاب و ثبتها في حديد سريره !
هنا جنّ جنون وعد ... وكادت تصب
جام غضبها علي ذلك العسكري الأبله ولكنها ما إن رأته مقبلا عليها ... عرفت أن ذلك
الرجل هو الجاني الذي تنتظره !
ما إن أقترب منها ذلك الرجل حتي
بدأت وعد في التحدث إليه بحدة وغضب .. ودار بينهما الحوار التالي :
وعد: أنت مين !
الرجل : أفندم ؟!
وعد : أنت ضابط صح !
رد عليها الرجل بسخرية لاذعه :
مع إني مش لابس لبس شرطة بس بحي ذكائك يعني ... يا فندم أنا وكيل نيابة !
شعرت وعد بالدم يغلي في عروقها
فقالت : أنت إيه .. مفيش أي تمييز ؟ خلاص الضمير إنعدم أوي كده ! بجد مش مستوعبة !!
بدأ الرجل يغضب من حديثها معه
بتلك الطريقة أمام العساكر فخاطبها مهددا : إهدي يا دكتورة لو سمحتي عشان أفهم
أقتربت وعد منه ونظرت له بسخرية
مثبتة عينيها عليه قائلة : مش لو كنت بتفهم أصلا !
وعندما وصل الحديث لتلك النقطة
جاء منير مسرعا عندما أدركت مسامعه كلمات وعد .. فجاء معتذرا معللا حالتها بأنها
طبيبة وتهمها حالة المريض أيا كان وضعه .
تفهم وكيل النيابة الموقف ولكنه
أصر علي معرفة ماذا فعل لكي تغضب هكذا فهو قد وصل لتوه ولم يدخل ليري المريض حتي
الأن !
نظر منير لوعد فقالت في إرهاق وهي تتركهم : مكلبشينه وكأنه قادر يقوم يهرب ده مش هيقدر يحرك عضلة
واحدة في جسمه قبل شهور !!
وتركتهم يائسة حانقة علي الضعف
والإستسلام
وصلت وعد بيتها في حالة مزرية
... دموعها تجري أنهارا علي وجنتيها الوردية ... تشعر بعذاب ضمير لا مثيل له
ولكنها أيضا بشر لذا فهي خائفة... كان ذلك فوق تحملها لذا أنهارت ولأول مره في
حياتها تبكي بصوت مرتفع ... أخرجت ما يجيش بصدرها علها تطفأ تلك النيران بداخله !
سمعت وعد طرقات علي باب حجرتها
فأنتفضت ... كانت تظن أنها وحدها بالمنزل فخالد أخبرها أنه سوف يتأخر ... عندما لم تجيب
سمعت خالد يهتف بها قائلا :
وعد... مالك إيه الصوت ده.. أنتي بتعيطي؟
لم تعلم وعد ماذا تفعل... إن
رأها سوف يصاب بالهلع وإن تجاهلته ونامت سيظل قلقا عليها ... ولاذنب له في ذلك !
حسمت وعد صراعها الصغير وتوجهت
إلي باب الغرفة وما إن فتحته حتي تحولت ملامح خالد من القلق إلي الذعر!
خالد : وعد ! في إيه .. إنتي
تعبانة ؟ حد عملك حاجة ؟؟ فيكي إيه!
نظرت له وعد في وهن وظلت تبكي
... ربتّ علي كتفها وجعلها تجلس ..
خالد: خدي إشربي وأهدي شويه
وبعدين قوليلي فيكي ايه!
هدأت قليلا ثم ظلت تنظر له ولا
تتحدث
خالد: أنا زعلتك طيب ؟
وعد: لا طبعا
خالد: وعد .. إحنا دلوقتي ملناش
إلا بعض .. يعني معندكيش غيري تحكيله
..أحكيلي أرجوكي يمكن أقدر أساعدك !
تنهدت وعد في يأس ولكنها قررت
أن تروي له ما رأته .. حتي ولو كان ليس له حل .. ولكن يكفي أن تزيح ذلك الجبل
الجاثم علي صدرها !
كانت سلمي تحدث والدتها عندما
أنطلق رنين الهاتف ... ذهبت مسرعة متلهفة ...أجابت الأتصال وبالفعل أتاها الصوت
الذي تنتظره .. صوت خديجة!
بعد التحية.. سألت سلمي ما اذا
كان محمود جاء إليها بخبر يقين أم لا فقصّت عليها خديجة ما أخبرها به أخيها وما إن
أنتهت حتي كانت سلمي لا تري أمامها من تلك السيول التي تفيض من عينيها
أغلقت سلمي الهاتف ودخلت لتفترش
سجادتها سريعا وتقف تناجي ربها لكي يلطف
بهم و يرحم أخيها !
بدأت وعد تروي لأخيها ما
رأته قائلة :
مهنتنا بتخلينا نشوف الهوايل
... ممكن تبقي واقف تلاقي داخلك اللي رجله هتتبتر ... اللي مغروز سيخ في جسمه
...وغيرها من أبشع المناظر اللي ممكن تتخيلها ... بس اللي شوفته اليوم ده حسسني
بمعني الرعب الحقيقي ... مقدرتش أسيطر علي إنفعالي وقتها ... سمعتهم بيندهوا في
الأستقبال ... روحت جري ولاقيت منظر بشع مشوه مش باين منه حاجه .. عملت فحص سريع
لاقيت كسور مضاعفة ونزيف داخلي وحروق درجه تالته ! ملحقتش أجمّع وأفهم ايه عمل فيه كده... أخدته وطيرت بيه علي
أوضة العمليات ... مجرد ما دخلت عرفت الكارثة ... الشاب ده أتعذب تعذيب وحشي ...
حاجه غير أدميه ... جلد وصعق كهربا وسلخ !
خمس ساعات وأنا بحاول أصلح كل
حته في جسمه ! بحارب الوقت والنزيف اللي مش بيوقف والنبض اللي بيروح ... كنت بجاهد عشان
ألحقه المصيبه إن مش ده بس اللي حصله ..
وعندما وصلت لتلك النقطة إنهارت في بكاء مرير وظل جسدها النحيل ينتفض بشدة وصوت شهقاتها
تشق السكون المخيم عليهما .. رقّ أخيها
لحالها تردد قليلا حيال ما ود أن يفعل ولكنه جذبها بشده لصدره قبل أن يتراجع .. ظل
يربت علي ظهرها حتي أستكانت بين ذراعيه وعاودت الحديث دون أن يحثها علي ذلك !
وعد: مكتفوش بتعذييبه بالجلد
والصعق .. لأ ده في الأبشع !
لم يتمالك خالد نفسه فصاح قائلا
: لسه أيه تاني .. مبقاش إلا القتل !
أجابته وعد في ألم قائلة : لأ
في الأبشع ... هتك العرض!
أنتفض خالد وهب واقفا في ذعر :
نعم .. ازاي يعني ... أنا مش في فاهم .. يعني أتهجموا علي واحده من أهله قدامه ؟!
صح !
وعد بنفس نظره الألم : لأ ..
أقصده هو شخصيا !
أحس خالد أن معدته تؤلمه بشدة
وشعر برغبة عارمه في التقيؤ .. لم يشعر إلا والارض تهتز من حوله ..نظر لها في ذعر يحثها أن تكمل حديثها !
بعد فترة من الصمت ليست قصيرة
خرج صوته متحشرج وقال في ضعف :عمل ايه ؟! سرق؟ قتل؟ طب
خان البلد .. جاسوس ؟ يعملوا فيه كده ليه! ما يعدموه يسجنوه لكن اللي بتقوليه ده
ايه ! هه ردي عليا يا وعد !
أحست وعد أن أخيها تخيل نفسه
مكان ذلك الشاب .. فملامح الرعب تسكن ملامحه بشدة و يتحدث بإنفعال مفرط
حدثته وعد قائلة : أنا مش عارفة هو عمل إيه ولا متهم بإيه.. ومش عارفه ليه مش قادرة أتخيله متهم ... رغم ان وشه مفيهوش حته سليمه بس إحساسي بيقولي إنه أكيد مش مجرم ! المهم غني في مصيبة
... عايزيني أخبي الموضوع وأزور تقرير أنه عمل عملية عاديه أو أنهم هيأذوني.. بموت كل ما
أفكر أني هضيع حقة وفي نفس
الوقت متكتفه مش عارفة أعمل ايه!
"وجد خالد أخته علي وشك
الدخول في نوبة بكاء جديدة حدثها قائلا"
خالد: بصي .. أحنا دلوقت نقوم ننام عشان نعرف
نهدي ونفكر بهدوء .. لكن أي مناقشه دلوقت مش هيكون ليها لازمه!
وعد: يا رب بس أعرف أشوف النوم
!
قضت سلمي ليلتها حائرة باكية .
لا تعلم كيف تنقل ذلك الخبر المؤسف لوالدتها المريضة ... وإن أخفته عنها ... كيف
تستطيع الخروج من البيت دون أن تعلم والدتها إلي أين هي ذاهبة ؟!
ولكنها تريد رؤية أخيها بشدة
... ما الذي حدث له ... أخيها ملقي بالمشفي في حالٍ خطرة ! كل ما تبقي لها في
الدنيا .. سندها وأمانها في الحياة قريب من الموت! كلما توصل تفكيرها لتلك النقطة
تزداد جنونا ورغبة أن تذهب إليه راكضه ..
ولكن أنّ لها ذلك ؟!
ظلت تفكر حتي قررت أن تحتال علي
الموقف .. لن تخبر والدتها بما حدث لأخيها ولن تكذب عليها أيضا !
وكعادتها لم يكن أمامها سوي منقذتها الوحيدة ..
خديجة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق