الجمعة، 11 ديسمبر 2015

رواية وعد
الحلقة الثامنة
جزءمن حلقة سابقة:
ما إن خرجت وعد حتي وجدت خديجة تقف بإرتباك أمام غرفة أنس .. بمجرد أن رأتها خديجة كادت أن تحدثها ولكن وعد أشارت لها بعينيها ألا تتحدث فذلك ال "بلال" سيخرج خلفها ولا تريده أن يشك بهما .. بمجرد خروج بلال خلفها قال : أرجو حضرتك تكوني مجهزة تقرير الحالة اللي لسه متكتبش ده بكرة ! لأن حضرتك كده معطلة شغلي !
لو كانت وعد في حال تسمح لها بالرد لكانت إنفجرت به .. كيف لذلك الأحمق أن يطالبها بكتابة التقرير الذي سيهضم حق ذلك المسكين للأبد .. لقد كانت محقة .. إنه مثلهم ... يده ملوثة بدماء أنس .. يستعجل التقرير الأبله الذي سيضمن أنه لا شبه جنائية فيما حدث له ... ولكن لتؤثر الصمت الآن لعل الله يُحدِث بعد ذلك أمرا !
نظرت له وعد وقالت .. إن شاء الله يبقي جاهز .. أي أوامر ثانية !
وقبل أن يجيبها أنس سمعوا صوت إرتطام شديد بداخل غرفة أنس!
الحلقة الثامنة :
بلال: إيه الصوت ده في إيه ؟!
وعد: مفيش حاجه أنا هشوف في إيه حضرتك ممكن تتفضل !
تجاهلها تماما وحدّث خديجة قائلاً: فين زميلتك اللي كانت معاكي؟!
نظرت خديجة لوعد ولم تعرف بمَ تُجيبه ... فقال لها بحدة :إنطقي!
خديجة: دخلت جوة
أنطلق بلال في جزء من الثانية مقتحماً غرفة أنس.. وفي تخيُله أنه سيجدها تساعده في الهرب .. وعندما فتح باب الغرفة كانت المفاجأة .. فقد وجد سلمي مُسجاه علي الأرض فاقدة وعيها ... دخلت خلفه وعد وتلتها خديجة .. إقتربت منها وعد كي تري ماذا حدث لها ثم نظرت له وقالت: ممكن تشيلها معايا ؟
فقال ببساطة :لا!
ظلت أنظارها معلقة به لجزء من الثانية ولكنها سريعا ما نظرت لخديجة بمساعدتها .. وبالفعل نقلوها لمكتب وعد .. ظلت وعد تحاول إفاقتها وعندما نجحت قامت سلمي فَزعة و بدأت في نوبة بكاء شديدة !
ظلت وعد وخديجة تحاولان تهدئتها دون جدوي .. ظلت سلمي تبكي بهيسترية حد الصراخ .. ولم يستطع أحد إسكاتها إلا هو.
إرتفع صوت بلال بشدة مما أفزع الفتيات الثلاث قائلا: إخرسي بقي!
نظرت له وعد بغضب كعادتها معه فهو بالنسبة لها ليس إنسان أما خديجة وسلمي فكلتاهما نظرتا له بفزع
إستغل هو الهدوء الذي عم الغرفة بعد سكون تلك المزعجة بمكر:
إنتوا عارفين إن إنتوا الثلاثة هيتقض عليكوا ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت رحيق جالسة تقرأ وردها اليومي ولكنها سمعت صوت أحدهم بالخارج فهتفت قائلة: إنتي جيتي يا أمي؟
مريم: لأ يا رحيق أنا مش ماما أنا مريم .
"رحيق".. فتاة هادئة رقيقة.. الأخت الكبري لمريم .. وإذا أردنا التدقيق فهي الفتاة العاقلة الرزينة .. تعتبرها مريم أمها الثانية.. إلا إنها تراها متشددة بعض الشئ .. فهي من تلك الفئة التي يطلق عليها فئة الملتزمين دينياً ..ولكن علي كل حال فمريم تكن لها كل الحب والإحترام.
رحيق: مريم؟ إيه يا بنتي اللي رجعك بدري من الجامعة؟
مريم: مفيش خلصت بدري فرجعت فيها حاجه دي؟
رحيق: لأ يا حبيبتي مفيهاش حاجه .. بس إنتي بقالك فترة مش عجباني .
مريم بغضب: وأنا من إمتي بعجبك ... أنا علي طول مش عجباكي !
إبتسمت رحيق في هدوء وإقتربت من مريم وملست علي وجنتها قائلة في حنان: بقي إنتي مش عجباني يا مريمة؟ ده أنت اللي في القلب يا جميل بس أنا أقصد إنك علي طول زعلانة و واخدة جنب مش علي طبيعتك معانا ولا بتهزري وتضحكي طول الوقت زي زمان .. وبعدين أنا واخدة علي خاطري منك .
إلتمعت عيني مريم بالدموع ... فهي تتجاهل أختها والحديث معاها منذ ما فعله معاها خالد.. تخشي أن تسألها أختها عما يُحزنها فتجيب.. ولكن ذلك يُحزن رحيق وهي تعلم لذلك قالت بنبرة حزينة: والله أنا عارفة إنك زعلانة مني عشان أنا واخدة جنب بس بجد غصب عني يا رحيق .. أنا مخنوقة جدا ومش عارفة أتكلم
رحيق: عشان هبلة يا قلب أختك.. اللي إنتي خايفة تحكيهولي ده حاجه عادية وأنا توقعتها تحصل بس متوقعتش إنك تخبي عني ..
تفاجأت مريم من معرفة أختها بالأمر.. كيف لها ذلك..فهي لم تخبر أحدا مطلقا!
رأت رحيق التعجب علي وجه أختها فقالت: يا بنتي قولتلك مية مره الحاسة السادسة عندي متكدبش أبدا!
مريم: طب أنا هحكيلك كل حاجه بس بالله عليكي بلاش تزعلي مني!
رحيق : أه.. طالما فيها متزعليش مني يبقي فيها مصيبة .. قدامي عشان أعرف هببتي إيه !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أنتوا التلاتة هيتقبض عليكم"
كانت تلك الجملة بمثابة العصي السحرية لدي بلال.. فلأول مرة يراها خائفة ..يرتعد بدنها في شدة .. شعر بالشفقة تجاها ولكن لا! ليلقن تلك المتعجرفة درسا لن تنساه ..
قالت خديجة بخوف: بس حضرتك إحنا معملناش حاجه ... والله !
رد عليها بلال بإبتسامة مشفقة قائلا: لو عايزة تخرجي نفسك من الموضوع قوليلي كنتم بتعملوا إيه هنا ؟
ردت وعد في عناد ضعيف كموقفها قائلة: ما أنا قولتلك إنهم ممرضات هنا!
صرخ بلال في وجهها قائلا: إيه يا دكتورة هو محدش علمك إن الكذب حرام ؟!
إبتلعت وعد ريقها في خوف .. فهو محق .. إنها كاذبة .. ولكن أليس للضرورة أحكام؟
ثم ما لبست أن قالت في تحدٍ : وهو حضرتك مهتم بالحلال والحرام أوي ؟!
أغمض عينيه في غضب فهو يريد الفتك بها .. آهٍ لو ملّكه أحدهم أمرها.. لظلّ يضرب ذلك الوجه الجميل حتي يُدميه .. وحين توصل بتفكيره لتلك النقطة إستغفر ربه وإلتف عنها ليحدثها وظهره لها قائلا: طيب يا دكتورة .. حضرتك مقبوض عليكي بتهمة محاولة تهريب المتهم!
إرتعد بدن وعد بحق .. فهي قد تمادت .. رغم علمها بأنه قويا بسلطته ولكن تعاطفها مع أنس جعلها متهورة.. متهورة للغاية!
مرت دقائق لم يسمع بلال صوتها .. شعر بأنه أثقل العيار .. فإن كان حديثها يجرحه.. ويُشعِره أنه بلا قلب ولا أخلاق .. إلا أنه يستمتع بلعبة القط والفأر التي بدأتها هي معه بشدة .. إلتف وحدث الفتاتين قائلا: دلوقتي أنا مش عايز مناقشات وإعتبروا نفسكم في تحقيق رسمي ولا تحبوا أستدعيكم للنيابة ؟
حركت الفتاتان رأسيهما في خوف علامة أنه "لا"
فسأل بلال قائلا: كنتوا جايين هنا ليه ؟؟ ومش حابب أسمع قصة شغالين هنا عشان أنا مش غبي.. واضح إن اللي حفظكم تقولوا كده عبيط .. لأ كل اللي شغالين هنا معلق كارنية علي لبسه في إسمه وشغلته سواء دكتور ولا مرض ولا حتي عامل نضافة!
كان يقصدها هي بال"عبيط" فنظرت له في حدة وهمت أن ترد ولكنه تجاهلها وإستكمل حديثه قائلا:ها ؟؟
ردت سلمي بصوت خافت: أنا أخت أنس
فوجه بلال نظره نحو خديجة فقالت: وأنا صاحبتها
بلال: طيب .. ممكن أشوف بطايقكم ؟
أجرجت كلتاهما البطائق وأعطياها له .. فأخذها ونظر فيها وما لبث أن حدّث خديجة قائلا: إنتي جاية معاها تعملي إيه؟
خديجة: هي اللي طلبت مني عشان أبقي معاها ومسيبهاش لوحدها
فأستكمل بلال حديثه موجهاً إياه لسلمي فقال: وإنتي بقي كنتي جايه تهربيه؟
سلمي: والله أبدا أهربه اروح بيه فين بس .. أنا كنت هاموت وأشوفه ولما كلمت الدكتورة صعبت عليها وجابتني أشوفه عشان مانعين عنه الزيارة والله هو ده كل اللي حصل..
سكت بلال مفكرا فيما روته سلمي .. يشعر أنها صادقة ولكن توتر وعد هذا يريبه .. تأخرها في تسليم التقرير يريبه.. غضبها نحوه بلا سبب يُشعره أنها تريد تشتيته حتي لايكتشف ما تنوي فعله! وعندما وصل إلي تلك الفكرة هب واقفا وهو يقول : أنا مش داخل عليا الفيلم الهندي ده.. كان ممكن تقدمي طلب وتقابليه في وجود عسكري ..
قالت وعد في غضب وقد نفذ صبرها: يعني إنت عايز إيه دلوقتي؟
بلال: أنا عايز الحقيقة .. عايزك تعترفي إنك كنتي ناويه تهربيه!
وعد: اه طبعا.. ما هو ده اسلوبكم مش هيتغير! عايزني أعترف بحاجه معملتهاش .. وطبعا لو رفضت هتقبض عليا وتعذبني زي ما عملتوا في الغلبان المرمي جوه ده!
ما إن أنهت جملتها حتي ضيق بلال ما بين عينيه .. فما علمه من رئيسه أن أحد المسجونين دخل في عراك مع زملاؤه مما جعله يرقد بالمشفي .. فما الذي تقوله هي الأن ؟
بلال: إنتي متاكدة من اللي بتقوليه؟
وعد: نظرت له وعد لا تعلم بم تجبه.. فها هي تخالف ما إتفقت به مع مديرها السيد "منير" .. فما الذي سيحدث الأن إن أكدت إعترافها؟
أخرجها من شرودها صوته قائلا: مشي البنتين دول عشان أتأخروا علي بيوتهم ويا ريت كمان حضرتك تروحي ترتاحي لأن شكلك تعبان.. وهنبقي نكمل كلامنا بعدين.
قال كلماته تلك ثم إلتف خارجا.. لم تعلم كيف فعلها.. كيف لم يُضيق الخناق عليها .. كيف رحم ضعفها.. علي كل حال هي شاكره له ذلك الموقف.. ذلك الموقف وفقط!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد يوم ملئ بالأحداث .. إحتاج بلال أن يذهب بيته.. بيت والده البيت الذي يشعره بأنه ذلك الطفل ذات السبع أعوام.. حتي وإن كان والده غادر البيت.. بل العالم بأكمله فإنه لا يشعر بالراحة إلا في ذلك البيت .. أنطلق بلال إلي بيت والده وفي الطريق إتصل بأخيه وحدثه بأمر مجيئه ولكنه لم يقول له أنه سيأتي اليوم ..كي يفاجئه.
دخل بلال المنزل وتفقده .. شعر برغبه شديده بأخذ حمام دافئ ثم الخلود للنوم..
أوصلت وعد الفتيات كلا إلي بيتها .. بعدما إعتذرت لهما عن موقف اليوم..ثم حدثت خالد كي تطمئن عليه فأخبرها أنه سيقضي يومه مع علي كي يُنهي مشروع كلفته به الكلية .. فأكملت طريقها عائدة إلي المنزل .
صعدت وعد إلي بيتها .. وما إن دخلت حتي شعرت بساقيها لا تقويان علي حملها .. إتجهت إلي الأريكه وفردت جسدها .. فكت حجابها وهمّت أن تغمض عينيها ولكنها سمعت صوتا بالداخل.. هبت واقفة لا تدري ماذا تفعل ... أول ما جاء ببالها أنهم علموا بأمر إعترافها بحالة أنس وجاءوا ليتخلصوا منها!!
ذهبت مسرعة في خفة إلي المطبخ لتجلب شيئا ما تدافع به عن نفسها.. ولكنها سمعت الصوت يزداد.. أخذت أقرب شئ إلي يديها .. عصا المكنسة!! هكذا ستدافع عن نفسها!
سمع بلال صوتا بالخارج ... فأخذ المنشفة و لفها حول خصره .. وذهب ليفاجئ أخيه بعودته ... إتجه نجو غرفة الجلوس وما إن وصل حتي وجد ضربه بعصا المكنسه تهوي فوق رأسه .. فسقط أرضا غائبا عن الوعي !
أخذت وعد حجابها مسرعة وإلتفت هاربة من المنزل قبل أن يستيقظ ذلك الوغد ..
أغلقت وعد باب المنزل بإحكام حتي لا يهرب وقامت بإجراء إتصال
وعد: خالد.. إلحقني يا خالد .. في حد جه البيت عاوز يموتني وأنا ضربته وحابساه فوق تعالي بسرعة !
جاء خالد وصديقه علي في غاية السرعة بعد مكالمة وعد .. رأها تجلس أمام مدخل البيت تبكي.. أسرع إليها وضمها لحضنه ليهدئها ثم أطمئن أنها بخير وقال: طب دلوقتي نبلغ البوليس ولا نطلع نشوفه الأول؟
علي: لأ نطلع الأول لأن بتقولك ضربته لازم نعرف عايش ولا
إرتجفت وعد وقالت: هو ممكن يكون مات؟
قطع خالد النقاش وقال .. خليكي هنا وأنا وعلي هنطلع نشوفه
أومأت وعد برأسها وصعد خالد ومعه علي لكي يري ذلك الوغد!
دخل خالد المنزل وما إن دخل حتي رأي جسد عاري إلا من -منشفة حول خصره - مسجي علي الأرض نظر لصديقه علي الذي قال .. هو إيه ده بالظبط!
ذهب خالد تجاهه وأعدل جسده كي يري وجهه .. وكانت الصدمة .!!
خالد: يا نهار أزرق !! ده بلال أخويا !
علي: يعني أختك قتلت بلال؟!!
صاح خالد في غضب قائلا: أنا مش ناقصك يا زفت .. غور نادي علي اللي متلقحة تحت دي تيجي تشوف هببت إيه وتلحقة في اليوم الإسود ده!
نزل علي ساخطا علي تلك الصداقة اللعينه التي ستقضي عليه ذات يوم! ..
علي: لو سمحت يا دكتورة أطلعي بسرعه عشان تشوفي اللي قتلتيه ده!
وعد برعب: هو مات؟
علي: لأ بس مبيفوقش.. أه وعلي فكره ده طلع أخو خالد
نظرت له وعد ببلاهة ولم تنطق .. ثم تذكرت أن خالد أخبرها أن له أخ من أبيه... نظرت لعلي ثانية وسألت بغباء فالصدمة شديدة عليها
وعد: يعني أخو خالد كان جاي يقتلني؟ ومات؟
نظر لها بلال وحدث نفسه قائلا: واضح إن الغباء في العيلة دي وراثه.. الله يحرقك يا خالد ويحرق اليوم اللي عرفتك فيه ده معرفة إيه المنيلة دي !
تمالك علي أعصابه وقال: يا دكتورة الله يرضي عليكي أطلعي شوفي الراجل ماله وفوقيه.. وبعدها إبقي إستوعبي إنه أخو خالد وان ده بيته وانه مكنش جاي يقتلك براحته!
كلماته جعلتها تستوعب سوء الفهم الذي حدث.. فصعدت راكضه لتنقذ ذلك المسكين الذي هاجمته وما إن دخلت و رأته حتي صرخت وقالت....
ما إن خرجت وعد حتي وجدت خديجة تقف بإرتباك أمام غرفة أنس .. بمجرد أن رأتها خديجة كادت أن تحدثها ولكن وعد أشارت لها بعينيها ألا تتحدث فذلك ال "بلال" سيخرج خلفها ولا تريده أن يشك بهما .. بمجرد خروج بلال خلفها قال : أرجو حضرتك تكوني مجهزة تقرير الحالة اللي لسه متكتبش ده بكرة ! لأن حضرتك كده معطلة شغلي !
لو كانت وعد في حال تسمح لها بالرد لكانت إنفجرت به .. كيف لذلك الأحمق أن يطالبها بكتابة التقرير الذي سيهضم حق ذلك المسكين للأبد .. لقد كانت محقة .. إنه مثلهم ... يده ملوثة بدماء أنس .. يستعجل التقرير الأبله الذي سيضمن أنه لا شبه جنائية فيما حدث له ... ولكن لتؤثر الصمت الآن لعل الله يُحدِث بعد ذلك أمرا !
نظرت له وعد وقالت .. إن شاء الله يبقي جاهز .. أي أوامر ثانية !
وقبل أن يجيبها أنس سمعوا صوت إرتطام شديد بداخل غرفة أنس!
بلال: إيه الصوت ده في إيه ؟!
وعد: مفيش حاجه أنا هشوف في إيه حضرتك ممكن تتفضل !
تجاهلها تماما وحدّث خديجة قائلاً: فين زميلتك اللي كانت معاكي؟!
نظرت خديجة لوعد ولم تعرف بمَ تُجيبه ... فقال لها بحدة :إنطقي!
خديجة: دخلت جوة
أنطلق بلال في جزء من الثانية مقتحماً غرفة أنس.. وفي تخيُله أنه سيجدها تساعده في الهرب .. وعندما فتح باب الغرفة كانت المفاجأة .. فقد وجد سلمي مُسجاه علي الأرض فاقدة وعيها ... دخلت خلفه وعد وتلتها خديجة .. إقتربت منها وعد كي تري ماذا حدث لها ثم نظرت له وقالت: ممكن تشيلها معايا ؟
فقال ببساطة :لا!
ظلت أنظارها معلقة به لجزء من الثانية ولكنها سريعا ما نظرت لخديجة بمساعدتها .. وبالفعل نقلوها لمكتب وعد .. ظلت وعد تحاول إفاقتها وعندما نجحت قامت سلمي فَزعة و بدأت في نوبة بكاء شديدة !
ظلت وعد وخديجة تحاولان تهدئتها دون جدوي .. ظلت سلمي تبكي بهيسترية حد الصراخ .. ولم يستطع أحد إسكاتها إلا هو.
إرتفع صوت بلال بشدة مما أفزع الفتيات الثلاث قائلا: إخرسي بقي!
نظرت له وعد بغضب كعادتها معه فهو بالنسبة لها ليس إنسان أما خديجة وسلمي فكلتاهما نظرتا له بفزع
إستغل هو الهدوء الذي عم الغرفة بعد سكون تلك المزعجة بمكر:
إنتوا عارفين إن إنتوا الثلاثة هيتقض عليكوا ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت رحيق جالسة تقرأ وردها اليومي ولكنها سمعت صوت أحدهم بالخارج فهتفت قائلة: إنتي جيتي يا أمي؟
مريم: لأ يا رحيق أنا مش ماما أنا مريم .
"رحيق".. فتاة هادئة رقيقة.. الأخت الكبري لمريم .. وإذا أردنا التدقيق فهي الفتاة العاقلة الرزينة .. تعتبرها مريم أمها الثانية.. إلا إنها تراها متشددة بعض الشئ .. فهي من تلك الفئة التي يطلق عليها فئة الملتزمين دينياً ..ولكن علي كل حال فمريم تكن لها كل الحب والإحترام.
رحيق: مريم؟ إيه يا بنتي اللي رجعك بدري من الجامعة؟
مريم: مفيش خلصت بدري فرجعت فيها حاجه دي؟
رحيق: لأ يا حبيبتي مفيهاش حاجه .. بس إنتي بقالك فترة مش عجباني .
مريم بغضب: وأنا من إمتي بعجبك ... أنا علي طول مش عجباكي !
إبتسمت رحيق في هدوء وإقتربت من مريم وملست علي وجنتها قائلة في حنان: بقي إنتي مش عجباني يا مريمة؟ ده أنت اللي في القلب يا جميل بس أنا أقصد إنك علي طول زعلانة و واخدة جنب مش علي طبيعتك معانا ولا بتهزري وتضحكي طول الوقت زي زمان .. وبعدين أنا واخدة علي خاطري منك .
إلتمعت عيني مريم بالدموع ... فهي تتجاهل أختها والحديث معاها منذ ما فعله معاها خالد.. تخشي أن تسألها أختها عما يُحزنها فتجيب.. ولكن ذلك يُحزن رحيق وهي تعلم لذلك قالت بنبرة حزينة: والله أنا عارفة إنك زعلانة مني عشان أنا واخدة جنب بس بجد غصب عني يا رحيق .. أنا مخنوقة جدا ومش عارفة أتكلم
رحيق: عشان هبلة يا قلب أختك.. اللي إنتي خايفة تحكيهولي ده حاجه عادية وأنا توقعتها تحصل بس متوقعتش إنك تخبي عني ..
تفاجأت مريم من معرفة أختها بالأمر.. كيف لها ذلك..فهي لم تخبر أحدا مطلقا!
رأت رحيق التعجب علي وجه أختها فقالت: يا بنتي قولتلك مية مره الحاسة السادسة عندي متكدبش أبدا!
مريم: طب أنا هحكيلك كل حاجه بس بالله عليكي بلاش تزعلي مني!
رحيق : أه.. طالما فيها متزعليش مني يبقي فيها مصيبة .. قدامي عشان أعرف هببتي إيه !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أنتوا التلاتة هيتقبض عليكم"
كانت تلك الجملة بمثابة العصي السحرية لدي بلال.. فلأول مرة يراها خائفة ..يرتعد بدنها في شدة .. شعر بالشفقة تجاها ولكن لا! ليلقن تلك المتعجرفة درسا لن تنساه ..
قالت خديجة بخوف: بس حضرتك إحنا معملناش حاجه ... والله !
رد عليها بلال بإبتسامة مشفقة قائلا: لو عايزة تخرجي نفسك من الموضوع قوليلي كنتم بتعملوا إيه هنا ؟
ردت وعد في عناد ضعيف كموقفها قائلة: ما أنا قولتلك إنهم ممرضات هنا!
صرخ بلال في وجهها قائلا: إيه يا دكتورة هو محدش علمك إن الكذب حرام ؟!
إبتلعت وعد ريقها في خوف .. فهو محق .. إنها كاذبة .. ولكن أليس للضرورة أحكام؟
ثم ما لبست أن قالت في تحدٍ : وهو حضرتك مهتم بالحلال والحرام أوي ؟!
أغمض عينيه في غضب فهو يريد الفتك بها .. آهٍ لو ملّكه أحدهم أمرها.. لظلّ يضرب ذلك الوجه الجميل حتي يُدميه .. وحين توصل بتفكيره لتلك النقطة إستغفر ربه وإلتف عنها ليحدثها وظهره لها قائلا: طيب يا دكتورة .. حضرتك مقبوض عليكي بتهمة محاولة تهريب المتهم!
إرتعد بدن وعد بحق .. فهي قد تمادت .. رغم علمها بأنه قويا بسلطته ولكن تعاطفها مع أنس جعلها متهورة.. متهورة للغاية!
مرت دقائق لم يسمع بلال صوتها .. شعر بأنه أثقل العيار .. فإن كان حديثها يجرحه.. ويُشعِره أنه بلا قلب ولا أخلاق .. إلا أنه يستمتع بلعبة القط والفأر التي بدأتها هي معه بشدة .. إلتف وحدث الفتاتين قائلا: دلوقتي أنا مش عايز مناقشات وإعتبروا نفسكم في تحقيق رسمي ولا تحبوا أستدعيكم للنيابة ؟
حركت الفتاتان رأسيهما في خوف علامة أنه "لا"
فسأل بلال قائلا: كنتوا جايين هنا ليه ؟؟ ومش حابب أسمع قصة شغالين هنا عشان أنا مش غبي.. واضح إن اللي حفظكم تقولوا كده عبيط .. لأ كل اللي شغالين هنا معلق كارنية علي لبسه في إسمه وشغلته سواء دكتور ولا مرض ولا حتي عامل نضافة!
كان يقصدها هي بال"عبيط" فنظرت له في حدة وهمت أن ترد ولكنه تجاهلها وإستكمل حديثه قائلا:ها ؟؟
ردت سلمي بصوت خافت: أنا أخت أنس
فوجه بلال نظره نحو خديجة فقالت: وأنا صاحبتها
بلال: طيب .. ممكن أشوف بطايقكم ؟
أجرجت كلتاهما البطائق وأعطياها له .. فأخذها ونظر فيها وما لبث أن حدّث خديجة قائلا: إنتي جاية معاها تعملي إيه؟
خديجة: هي اللي طلبت مني عشان أبقي معاها ومسيبهاش لوحدها
فأستكمل بلال حديثه موجهاً إياه لسلمي فقال: وإنتي بقي كنتي جايه تهربيه؟
سلمي: والله أبدا أهربه اروح بيه فين بس .. أنا كنت هاموت وأشوفه ولما كلمت الدكتورة صعبت عليها وجابتني أشوفه عشان مانعين عنه الزيارة والله هو ده كل اللي حصل..
سكت بلال مفكرا فيما روته سلمي .. يشعر أنها صادقة ولكن توتر وعد هذا يريبه .. تأخرها في تسليم التقرير يريبه.. غضبها نحوه بلا سبب يُشعره أنها تريد تشتيته حتي لايكتشف ما تنوي فعله! وعندما وصل إلي تلك الفكرة هب واقفا وهو يقول : أنا مش داخل عليا الفيلم الهندي ده.. كان ممكن تقدمي طلب وتقابليه في وجود عسكري ..
قالت وعد في غضب وقد نفذ صبرها: يعني إنت عايز إيه دلوقتي؟
بلال: أنا عايز الحقيقة .. عايزك تعترفي إنك كنتي ناويه تهربيه!
وعد: اه طبعا.. ما هو ده اسلوبكم مش هيتغير! عايزني أعترف بحاجه معملتهاش .. وطبعا لو رفضت هتقبض عليا وتعذبني زي ما عملتوا في الغلبان المرمي جوه ده!
ما إن أنهت جملتها حتي ضيق بلال ما بين عينيه .. فما علمه من رئيسه أن أحد المسجونين دخل في عراك مع زملاؤه مما جعله يرقد بالمشفي .. فما الذي تقوله هي الأن ؟
بلال: إنتي متاكدة من اللي بتقوليه؟
وعد: نظرت له وعد لا تعلم بم تجبه.. فها هي تخالف ما إتفقت به مع مديرها السيد "منير" .. فما الذي سيحدث الأن إن أكدت إعترافها؟
أخرجها من شرودها صوته قائلا: مشي البنتين دول عشان أتأخروا علي بيوتهم ويا ريت كمان حضرتك تروحي ترتاحي لأن شكلك تعبان.. وهنبقي نكمل كلامنا بعدين.
قال كلماته تلك ثم إلتف خارجا.. لم تعلم كيف فعلها.. كيف لم يُضيق الخناق عليها .. كيف رحم ضعفها.. علي كل حال هي شاكره له ذلك الموقف.. ذلك الموقف وفقط!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد يوم ملئ بالأحداث .. إحتاج بلال أن يذهب بيته.. بيت والده البيت الذي يشعره بأنه ذلك الطفل ذات السبع أعوام.. حتي وإن كان والده غادر البيت.. بل العالم بأكمله فإنه لا يشعر بالراحة إلا في ذلك البيت .. أنطلق بلال إلي بيت والده وفي الطريق إتصل بأخيه وحدثه بأمر مجيئه ولكنه لم يقول له أنه سيأتي اليوم ..كي يفاجئه.
دخل بلال المنزل وتفقده .. شعر برغبه شديده بأخذ حمام دافئ ثم الخلود للنوم..
أوصلت وعد الفتيات كلا إلي بيتها .. بعدما إعتذرت لهما عن موقف اليوم..ثم حدثت خالد كي تطمئن عليه فأخبرها أنه سيقضي يومه مع علي كي يُنهي مشروع كلفته به الكلية .. فأكملت طريقها عائدة إلي المنزل .
صعدت وعد إلي بيتها .. وما إن دخلت حتي شعرت بساقيها لا تقويان علي حملها .. إتجهت إلي الأريكه وفردت جسدها .. فكت حجابها وهمّت أن تغمض عينيها ولكنها سمعت صوتا بالداخل.. هبت واقفة لا تدري ماذا تفعل ... أول ما جاء ببالها أنهم علموا بأمر إعترافها بحالة أنس وجاءوا ليتخلصوا منها!!
ذهبت مسرعة في خفة إلي المطبخ لتجلب شيئا ما تدافع به عن نفسها.. ولكنها سمعت الصوت يزداد.. أخذت أقرب شئ إلي يديها .. عصا المكنسة!! هكذا ستدافع عن نفسها!
سمع بلال صوتا بالخارج ... فأخذ المنشفة و لفها حول خصره .. وذهب ليفاجئ أخيه بعودته ... إتجه نجو غرفة الجلوس وما إن وصل حتي وجد ضربه بعصا المكنسه تهوي فوق رأسه .. فسقط أرضا غائبا عن الوعي !
أخذت وعد حجابها مسرعة وإلتفت هاربة من المنزل قبل أن يستيقظ ذلك الوغد ..
أغلقت وعد باب المنزل بإحكام حتي لا يهرب وقامت بإجراء إتصال
وعد: خالد.. إلحقني يا خالد .. في حد جه البيت عاوز يموتني وأنا ضربته وحابساه فوق تعالي بسرعة !
جاء خالد وصديقه علي في غاية السرعة بعد مكالمة وعد .. رأها تجلس أمام مدخل البيت تبكي.. أسرع إليها وضمها لحضنه ليهدئها ثم أطمئن أنها بخير وقال: طب دلوقتي نبلغ البوليس ولا نطلع نشوفه الأول؟
علي: لأ نطلع الأول لأن بتقولك ضربته لازم نعرف عايش ولا
إرتجفت وعد وقالت: هو ممكن يكون مات؟
قطع خالد النقاش وقال .. خليكي هنا وأنا وعلي هنطلع نشوفه
أومأت وعد برأسها وصعد خالد ومعه علي لكي يري ذلك الوغد!
دخل خالد المنزل وما إن دخل حتي رأي جسد عاري إلا من -منشفة حول خصره - مسجي علي الأرض نظر لصديقه علي الذي قال .. هو إيه ده بالظبط!
ذهب خالد تجاهه وأعدل جسده كي يري وجهه .. وكانت الصدمة .!!
خالد: يا نهار أزرق !! ده بلال أخويا !
علي: يعني أختك قتلت بلال؟!!
صاح خالد في غضب قائلا: أنا مش ناقصك يا زفت .. غور نادي علي اللي متلقحة تحت دي تيجي تشوف هببت إيه وتلحقة في اليوم الإسود ده!
نزل علي ساخطا علي تلك الصداقة اللعينه التي ستقضي عليه ذات يوم! ..
علي: لو سمحت يا دكتورة أطلعي بسرعه عشان تشوفي اللي قتلتيه ده!
وعد برعب: هو مات؟
علي: لأ بس مبيفوقش.. أه وعلي فكره ده طلع أخو خالد
نظرت له وعد ببلاهة ولم تنطق .. ثم تذكرت أن خالد أخبرها أن له أخ من أبيه... نظرت لعلي ثانية وسألت بغباء فالصدمة شديدة عليها
وعد: يعني أخو خالد كان جاي يقتلني؟ ومات؟
نظر لها بلال وحدث نفسه قائلا: واضح إن الغباء في العيلة دي وراثه.. الله يحرقك يا خالد ويحرق اليوم اللي عرفتك فيه ده معرفة إيه المنيلة دي !
تمالك علي أعصابه وقال: يا دكتورة الله يرضي عليكي أطلعي شوفي الراجل ماله وفوقيه.. وبعدها إبقي إستوعبي إنه أخو خالد وان ده بيته وانه مكنش جاي يقتلك براحته!
كلماته جعلتها تستوعب سوء الفهم الذي حدث.. فصعدت راكضه لتنقذ ذلك المسكين الذي هاجمته وما إن دخلت و رأته حتي صرخت وقالت....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق