الخميس، 3 ديسمبر 2015

رواية وعد 
 الحلقة الرابعة
جزء من الحلقة السابقه: 
عاد خالد إلي المنزل و توقع وجود وعد ولكنه تفاجأ بأنها ليست بالمنزل ! تعجب قليلا فقد توقع أنها ستكون بإنتظاره قلقه عليه ولكنه نهر نفسه بشدة ... فهو لا يهمها في شئ حتي تقلق من أجله !
حاول ألا يعير للأمر إهتماما .. فهو لا يريد التعلق بأحد ..لا يريد أن يبحث عنها فور دخوله وألا يشتاق لها ... لا يريد أن يعرض نفسه مرارة الفقد ثانية .. ولكن هيهات ... فهو منذ دخوله البيت وهو يتوق لسماع صوتها .. فوجوده وحيدا هكذا يفجر لديه رغبة مريرة في البكاء.
ظل جالسا مدة ولكن القلق بدأ يتملكه أمسك هاتفه عازما علي محادثتها ثم تذكر أنه لم يأخذ منها الرقم !
قطع خالد الغرفة ذهابا وإيابا يبحث عن حل للوصول لها والأطمئنان عليها ولكنه فشل في ذلك وأخيرا أستلقي علي سريره مستسلما للنوم واليأس معا.
أستيقظ خالد علي صوت هاتفه ولكن ما إن أمسكه حتي إنقطع الإتصال .. نظر خالد للساعة بجانبة ليجدها قاربت علي منتصف الليل ... هب واقفا في ذعر ليخرج مسرعا يبحث عن وعد في أرجاء المنزل و لكنه لم يجدها .
 الحلقة الرابعة :
غلبه خوفه وبدأت دقات قلبه تضرب في صدره بعنف ... فهو لا يعلم أين ذهبت و ما هو عملها و أين يكون ...  أخذ يلوم نفسه كثيرا كيف تركها وذهب دون أن يعرف أي شئ عنها .. أي نوع من الأخوّة تكون هذه ... قد أصبحت وعد مسئوليته وإن كانت اخته الكبري ... يكفي أن تكون والدتهما قد أوصته بها كثيرا قبل وفاتها

وبينما كان خالد غارقا في تفكير سمع صوت طرقات تشق الصمت حوله .. قام مسرعا ليفتح ويجدها أمامه ... ظل ينظر لها يحاول ان يكتشف ما إن أصابها مكروه .. ولكنه وجدها علي ما يرام من الناحية الشكلية  !
أما من الناحية الموضوعية فوجدها شاردة صامته .. أتجهت لغرفتها دون كلام وكأن هموم الدنيا مكومّة فوق أكتافها !

أستفزه صمتها ... أحس بإهانة فكيف تقلقه عليها هكذا دون أن تبرر موقفها ؟! 
لم يعلم كيف يتصرف في مثل ذلك الموقف .. أيتركها وشأنها لما يبدو عليها من إرهاق وضيق .. أم يذهب خلفها ليعلم سبب تأخيرها .. فكيف لفتاة محترمة أن تتأخر كل هذا الوقت خارج المنزل وحدها ؟!

وحينما وصل به تفكيره لتلك النقطة شعر بغضب العالم يجتاح كيانه  وتردد في ذهنه الكثير من الأسئلة الخبيثة جعلته توجه نحو غرفتها في ثورة ليقتحم عليها الغرفة .. تفاجئت بدخوله هكذا دون إستئذان و سارعت بمحو دمعة كانت في طريقها للنزول قبل أن يراها ... صمت تام مطبق عليهما قطعه صوت خالد مدويا : كنتي فين !
نظرت له وعد بوهن وهمت أن تجاوبه ولكنها شعرت بإختناق وكأنها ستنفجر باكية مع أول كلمة تنطق بها ... فآثرت الصمت .
أنتظرها تنطق بأية كلمة ولكنها ظلت جامدة لم يتحمل سكوتها فأنطلق قائلا في غضب :
بصي بقي ... واضح كده إنك أخدتي علي حياة السبهللة بعد موت أبوكي ... بس لأ يا ماما ... إنتِ دلوقتي مسئولة مني  وأنا مش هسيبلك الحبل علي الغارب ... أنطقي وقولي كنتي فين أحسن ما أوريلك وش عمرك ما تتخيلي إنك تشوفيه مني !
لم يستوعب عقلها ما يقال ... نزلت كلماته  عليها كضربات السوط
لم تعلم كيف تواجهه .. أتؤنبه علي سوء ظنه بها أم تعذره علي خوفه ؟ ولكن علي أية حال لم يكن ذنبها أنه غادرها مسرعا دون أن يهتم لمعرفة  أي شئ عنها !
لم تكن بحال جيدة للمواجهة ولكنها تحاملت علي نفسها لكي ترد عليه ولكنها تفاجئت به يبدأ في نوبه صراخ هيستيري : أنطقي كنتي فيـــن ... هتغابي عليكي أنطقي بقول !
تنهدت وعد في ألم ... فهي في موقف المتهم ... ولكنها وقفت أمامه ونظرت له في لوم .. فتحت حقيبتها وبكل هدوء أعطته بطاقتها و بعض الأوراق الثبوتية المسجل بها ماهية عملها .

قالت بصوت مختنق : أنا بشتغل دكتور جراح  في مستشفي فؤاد نصار التخصصي ...لسه مستلمة الشغل النهارده ... والشغل ده بيتطلب مني تواجد شبه دائم ..ده غير أنه وارد يتصلوا بيا الفجر أنزلهم .. ده غير ان النهارده  كان في حالة حرجة تطلبت وجودي عشان متابعتها ... مش ذنبي إنك مسألتش أنا بعمل ايه في حياتي ولا حتي كلفت نفسك تاخد رقمي ... يادوب قولت إنك نازل وجريت كأنك في سجن !
أنهت كلامها وأتجهت نحو الباب لكي تترك له غرفتها فهي لن تتحمل مواجهة ذلك الموقف أكثر من ذلك .
 " إستني يا وعد لو سمحتي " ... نطقها خالد بصوت ضعيف كموقفه .
هم أن يعتذر ولكنه توقف حينما رأي عينيها مغرورقة بالدموع ... علم أنها لن تتحمل أي كلمة أخري منه ولو كانت إعتذار .
أستطرد قائلا : خليكي .. أنا خارج .
وما إن خرج حتي إرتمت علي سريرها تنتحب في مرارة .

شعر خالد بالندم بسبب موقفه ... فهو هكذا دائما متسرع .. كما أنه لم يشعرها بقلقه عليها بل جعلها تشعر أنه لا يثق في أخلاقها !

مرّت تلك الليلة ثقيلة وموجِعة لكليهما ... لم يتذوق أحدا منهم النوم  حتي حلّ الصباح... ولكنه لم يكن كأي صباح بل كان صباح مغيم ... تختبئ فيه الشمس خلف السحب .. كأنها تحتمي بها من مواجهة الدنيا .. خائفة مضطربة لا تستطيع أن تقف في الواجهة !
هكذا رأت وعد شمس هذا اليوم ... فهي عكست ما تشعر به من خوف وحزن علي الأشياء حولها ... لم تكن تلك الحالة لما حدث مع أخيها بالأمس .. ولكنه لما رأته بتلك الغرفة ... غــرفة العمليــات !
دائما ما يمر الطبيب بمواقف صعبة تقشعر لها الأبدان ... فعمله يتطلب منه شجاعة كبيرة وقدرة علي ضبط النفس قد يحسبها البعض تبلد مشاعر ... وقد كانت وعد تمر بالكثير من تلك المواقف وتتعامل معها بشجاعة ... ولكن تلك المرة لم تكن كأي موقف مرت به  لذا لم تكن قادرة علي ضبط توازنها !

كانت وعد قد إختلت بأفكارها  .. مستأثرة بحالة الحزن تلك لنفسها فليس من عادتها أن تشارك أحدا همومها أو مشاكلها ... ولكن خالد قطع عليها خلوتها  بطرقاته المتتالية ... أذنت له بالدخول .
خالد بارتباك : صباح الخير
وعد: صباح النور
صمت لم يعلم من أين يبدأ حديثه ولكنه إستكمل حديثه قائلا بصوت مهتز
- شكلك منمتيش إمبارح كويس .
وعد: أه للأسف
أنطلق قائلا : وعد ... والله أنا أسف .. أنا مقصدتش أزعلك وكنت قلقان عليكي .... مش عارف أنتي فين ولا عارف أوصلك وده كان غلطي أصلا ... لكن والله أنا واثق في أخلاقك جدا باين من تصرفاتك ولبسك أنك محترمة ومتدينة ... ده أنتي حتي بتتكسفي تخلعي حجابك قدامي .
صمت ليري أثر حديثه عليها فرأي دموعها تلتمع بعينيها وتنذر بالسقوط فصمت أسفاً ينظر لها في وجل  .
وعد : خلاص يا خالد حصل خير .
خالد: بصي أنا عارف إنك ممكن متصدقينيش لأن أنا نفسي مش مستوعب .. بس اليومين دول كانوا كفاية يعلقوني بيكي ... أنا مكنتش هقدر أستحمل البيت ده من غير ماما الله يرحمها .. لكن أنتِ مليتي عليا البيت وكمان شبه ماما في أغلب تصرفاتها .... وإن كنت بعاملك بقسوة فده لأني خايف أتعلق بيكي وبعدين تسيبيني ..سامحيني والله مش هزعلك تاني ... ولو سمحتي كفاية عياط بقي !

نظرت له وعد طويلا... ليته يعلم ما يبكيها ... ليتها تحدثه بما رأت عله يخفف عنها ... ولكنها تأبي أن تشركه بهذا الأمر المقزز حتي لا تسمم أفكاره وتقتل المستقبل في عينيه.

عادت وعد من شرودها وقالت له في حنان : خلاص يا خالد حصل خير ... خلينا نقعد نتكلم عشان نعرف كل حاجه عن بعض .
خالد: هو أنتي مش هتروحي شغلك ؟!
وعد: هروح بس متأخر شوية ...
خالد: خلاص ما شي يبقي نتكلم بقي .

ظل الأخوان يتحدثا كثيرا وكلا منهما يسرد علي الأخر الكثير والكثير من الذكريات والأحداث حتي شعرا وكأنهم  نشئوا سويا بهذا المنزل ولم يفترقا لحظة !

وعد : يا الله ... أنت طلعت فيك مني كتير يا واد .. مكنتش متخيلة إن في بني أدم غيري بيأكل جبنه بعسل !

ضحك خالد بشدة و قال : سبحان الله بقينا نقول واد أهو ... في تطور الحمد لله .
وعد: الشويه اللي إتكلمناهم دول شالوا حاجز كبير بينا ومع الوقت باقي الحواجز هتتلاشي بمشيئة الرحمن .

خالد: صحيح .. أنا نسيت أقولك حاجة مهمة جدا  .
وعد: خير؟!

خالد: أنا ليا أخ كبير من والدي عايش في بلد والدته لانه كان عندها مش مع والدي ... زيك يعني كده ... بس بشوفة في المناسبات كده كل فين وفين .
وعد : طيب خير ... صمتت قليلا ثم إبتسمت بمكر قائلة :
قولي بقي ... مفبش حاجة كده ولا كده ؟
خالد مستفهما : مش فاهم ؟
وعد: جو يعني وكده .. معندكش جو؟
خالد: أولا أنتي قديمة أوي أسمها مصاحب جو دي أنقرضت .. ثانيا لأ طبعا مليش في الحاجات دي الحمد لله
وعد : ما شاء الله عليك يا خالد ... ربنا يبارك فيك
نظرت وعد للساعة ومن ثم هتفت قائلة :
يا نهار أبيض .. الوقت سرقنا وأنا لازم أنزل .
خالد: طب هاجي أوصلك
نظرت له وعد مبتسمة وذهبوا سويا

في بيت بسيط في إحدي المناطق الشعبية ...تجلس إمرأة في أواخر العقد الخامس من عمرها ... يرتسم علي ملامحها الألم والحزن ..فالمرض قد نال من جسدها الهزيل والحزن فطر قلبها الحنون ... جلست تلك المرأة تبكي في وهن.. حتي أقبلت عليها فتاة ..في منتصف عقدها الثاني .. فتاة هادئة الملامح حسنة الخلق ... ولكن يظهر عليها الحزن لما حلّ بوالدتها الحبيبة منذ غياب أخيها عن المنزل ..
البنت: مالك بس يا ست الكل ؟
ألأم: مش عارفة مالي يا سلمي ؟ قلبي بياكلني علي أخوكي يا بنتي وأنا مش عارفة فين أراضيه كده .. أديله تلت أيام لا حس ولا خبر!
سلمي: يا أمي يا حبيبتي ... أنا مش قولتلك يمكن جاتله سفرية مفاجأة ؟
الأم: ما هو ياما سافر وكان بيتصل يطمني ... أخوكي في حاجه صابته  ... وما إن أنهت جملتها حتي دخلت نوبة بكاء جديده
سلمي: يا أمي أهدي بالله عليكي .. السكر هيعلي كده !
لم تتلقي إستجابة من والدتها فأستطردت قائلة .. بصي يا أمي .. أولا إلزمي الأستغفار إنتي عارفة قول الرسول صلي الله عليه وسلم قال" من أكثر الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه الله من حيث لا يحتسب " صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم
ثانيا بقي إن شاء الله ربنا هيحفظ أنس من كل سوء .. إنتي عارفة كويس إنه إنسان مؤمن وربنا هيحفظه ويرجعه بالسلامة .. ممكن تتطمني بقي شويه؟
هدأ روع الأم المسكينة بعد حديث أبنتها وبدأ لسانها يردد الأذكار كما حثتها .. وقامت متكأة علي عصاها لتتوضأ وتصلي كي تبث شكواها للمولي عز وجل .
وهنا .. إنفرد القلق بها وهي التي تحاول بث الطمأنينة في قلب والدتها .. فهي لم تعتاد غياب أخيها تلك المدة دون إتصال أيا كانت ظروفة .. كما أن قلبها يحدثها أن هناك مكروها ألمّ بأخيها
جلست تفكر كثيرا كيف تصل لأخيها أو أي أخبار عنه .. حتي في عمله لا يعلم أحدا عنه شئ منذ ثلاثة أيام .. ملّت التفكير دون جدوي فقامت لتتوضأ هي الأخري .. فلا يوجد لها سوي ربها كي تلجأ له وتدعوه أن يكشف تلك الغمة ويرده إليهم سالما
أنهت سلمي صلاتها وجلست تردد الأذكار ثم قرأت وردها من القرأن وما إن إنتهت حتي أطلت ببالها فكرة جعلتها تقفزا فرحا ... فقد عرفت حلا للوصول لأي خبر عن أخيها ... ذهبت سلمي كي تنام قريرة العين .. شاكرة ربها الذي ألهمها الحل للخروج من الكرب عازمة علي تنفيذ ما توصلت إليه غدا .. وليقضي الله أمرا كان مفعولا ..!  
وصلت وعد المشفي ومن فورها توجهت لغرفة الشاب لكي تتفقده وما إن وطأت قدمها الغرفة حتي وجدته يئن .. ذهبت بالقرب منه علها تستمع إلي همهماته إلا  أنها لم تستطع ... خرجت وعد تاركه الغرفة وما إن خرجت حتي جاءت إليها إحدي الممرضات لتخبرها طلب المدير في رؤيتها .. إتجهت وعد لمكتب المدير وما إن أذن لها بالدخول ...دار بينهما الحديث التالي :
وعد: خير يا دكتور قالولي حضرتك عايزني ؟
منير:كنت حابب أكلمك بخصوص الشاب اللي عملتيله العملية .
إزدردت وعد ريقها ولكنها تركته يسترسل قائلا..
منير: أظن طبعا فهمتي هو جراله إيه ..
وعد : أيوة طبعا ..أ
لم يعطيها مجالا للرد بل أكمل قائلا ..
:و أنتي طبعا اللي هتكتبي التقرير عن حالته
أندفعت وعد قائله : طبعا .. أنا مش ممكن أسكت !
قابل منير غضبها الشديد بصمت وبعد فترة بدأ يتحدث وهو يضغط علي كل حرف من حروف كلماته قائلا بثبات : إنتي مش هتعملي حاجة ومش هتدخلي في الموضوع ده نهائيا يا وعد .. أبوكي الله يرحمه لو عايش كان هيعمل كده وأنا معتبرك بنتي مش بس بنت أعز أساتذتي .. أنا هكتفي اني هسيبك تكملي متابعة معاه إنما لو صممتي هضطر أقصيكي عن الحالة تماما!
نظرت له وعد مبهوتة ... لم تكن تتخيل أن ذلك سيحدث .. أستوافق وتترك ذلك المسكين وحيدا .. أستساعد في ضياع حقة ؟!
عندما رأي منير الحيرة بعينيها أستكمل قائلا :
بصي يا دكتورة .. إنتي مش فاهمه الناس دي ممكن تعمل فيكي ايه .. صدقيني أنتي مش هتساعديه زي ما أنتي متخيلة أنتي هتأذيه أكتر وهتأذي نفسك  !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق